• 7 نيسان 2017
  • 2,422

سلسلة من نحب - صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم – (8) سيدتنا فاطمة رضي الله عنها :

المقدمة :

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله ولي الصالحين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا وإمامنا وحبيبنا وسيدنا وقرة عيننا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحابته أجمعين، ما زال حديثنا متصلاً في الكلام عن شخصيات من آل بيت النبي ﷺ وصحبه وحديثنا في هذه الليلة عن امرأة يقال لها  أم أبيها هي سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة، هي البضعة النبوية، هي التي كان يقول لها النبي ﷺ: "يؤذيني ما يؤذيك ويربني ما رابك". إن حديثنا عن فاطمة بنت محمد ﷺ، هي أصغر بنات النبي ﷺ على المشهور من أقوال أهل العلم.

 

فصل – ذريتها :

رزق النبي ﷺ من خديجة بستة أولاد: زينب و هي الكبرى، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة. وقيل إن فاطمة توأم لعبد الله، ورزق بالقاسم أيضا وهؤلاء من خديجة: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة و القاسم وعبد الله. ورزق من مارية بإبراهيم.  وفاطمة هي أصغر بنات النبي ـ صلي الله عليه واله وسلم ـ  أنقطع نسبه ذرية النبي ﷺ إلا من فاطمة فقدر الله ـ تبارك وتعالى ـ أن رقية تزوجها عثمان بن عفان، فأنجبت له عبد الله ومات صغيراً، ثم ماتت رقية، فانقطع نسلها. وأما أم كلثوم فتزوجها أيضا عثمان ولكنها لم ترزق منه بذرية وتوفيت أيضاً أم كلثوم في السنة التاسعة، ورقية في السنة الثانية، أما زينب فتزوجها أبو العاص بن الربيع، وأنجبت له علياً ومات صغيراً، وأنجبت له أمامة وتزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة، ولكنها أيضاً انقطع نسلها، وأما أولاد النبي الذكور: عبد الله والقاسم وإبراهيم فلم يبلغوا الحلم وماتوا صغاراً.

وفاطمة هي الوحيدة التي بقيت ذريتها، إذ تزوجها عليّ فأنجبت له أربعة أولاد، أنجبت له الحسن وهو البِكر، وأنجبت الحسين، ثم أنجبت زينب وأم كلثوم، أما زينب فتزوجها عبد الله بن جعفر، وانقطع نسلها، وكذلك أم كلثوم تزوجها عمر بن الخطاب، وأنجبت له حفصة وزيداً وماتا صغاراً، وأما الحسن والحسين، فبقيت ذريتهما إلى يومنا هذا.

فحديثنا اليوم عن أم الحسن عن فاطمة بنت النبي ـ صل الله وعليه وآله وسلم ـ فاطمة التي قالت عنها عائشة: ما رأيت أحداً أشبه برسول الله ـ ﷺ ـ كلاماً وحديثاً من فاطمة، كانت إذا مشت لم تخطيء مشية رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان الرسول ـ ﷺ ـ إذا دخل على فاطمة قامت له وقبلت بين عينيه ثم أجلسته في مكانها، وكانت فاطمة إذا دخلت على النبي ـ ﷺ ـ قام إليها ثم قبل بين عينيها وأجلسها في مكانه ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ.

 

فصل – مكانتها لدى النبي ﷺ :

كان يوماً ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ في بيت عائشة، فدخلت عليه فاطمة وعليّ وكان على النبي كساء عباءة، فنادى فاطمة وعلياً، فادخلهما في الكساء فاطمة عن يمينه وعليّ عن شماله، ثم جاء الحسن والحسين، فدخلا في الكساء، ثم عمهما النبي ـ ﷺ ـ بهذا الكساء، وقرأ عليهم قول الله ـ تبارك وتعالى ـ {انما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]

جاءوا أناس من نجران من نصارى نجران إلى النبي ـ ﷺ ـ في عام الوفود، في آخر السنة التاسعة، جاءوا إلى النبي ـ ﷺ ـ وسألوه أسئلة كثيرة حول عيسى بن مريم وموقف الإسلام منه، وموقف القرآن منه، فنزل فيهم قول الله ـ تبارك وتعالى ـ { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33] الآيات من سورة آل عمران التي تبين موقف الإسلام وموقف القرآن من عيسى بن مريم ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ  عندها عاندوا وكابروا وأصروا على ما هم عليه من الباطل، فأنزل الله ـ تبارك وتعالى ـ قوله ـ جل وعلا ـ: { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ (أي في عيسى) مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] فقرأ النبي ـﷺ ـ على أهل نجران هذه الآيات، وأن الله ـ تبارك وتعالى ـ يأمره أن يباهلهم، أو أن يدعوهم إلى المباهلة، فوافقوا، قالوا: نباهلك، والموعد غداً، فاستعد النبي ـﷺ ـ للمباهلة (والمباهلة الملاعنة، هو أن يأتي كل إنسان بأحب الناس إليه وأقربهم إليه: أبناءنا، نساءنا، أنفسنا، أن يحضر وتحضر معه نساءه وتحضر معه ذريته) فجاء النبي من الغد ومعه فاطمة وعليّ والحسن والحسين، وقال اللهم هؤلاء أهل بيتي جاءوا يباهل بهم ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ ولما رأى أهل نجران أن النبي ـ ﷺ ـ عازم على هذه المباهلة خافوا، ثم أتوا النبي ـ ﷺ ـ وقالوا: ماذا غير المباهلة؟ قال: لا إلا هي. قالوا: إذن نحن نسلم ما قلت ولكن أرسل إلينا من يعلمنا الدين، ونريده أن يكون أميناً، فقال النبي ـ ﷺ ـ لأرسلن معكم رجلاً أميناً حق أمين، فأرسل معهم أبا عبيدة عامر بن الجراح، ولذلك يقال عن أبي عبيدة أنه أمين هذه الأمة.

فالنبي ـ ﷺ ـ خرج بأحب الناس إليه من صلبه وذريته وأقاربه، خرج بفاطمة وعليّ، والحسن والحسين، ليباهل بهم، وكما قلت في المباهلة، أن الرجل يخرج بأقرب الناس إليه ثم يخرج الآخر بأقرب الناس إليه، ثم يقول كل واحد منهما، اللهم إن كان فلان على الباطل وكنت على الحق اللهم فالعنه وأنزل غضبك وعذابك عليه، وإن كان الحق معه وكنت مبطلاً فالعني وأنزل عذابك عليَّ، وهكذا كل طرف يقول هذا القول يدعوا على صاحبه، ويدعوا على نفسه، ولكنهم ذلوا وخافوا لما رأوا عزم النبي ـ ﷺ ـ على المباهلة، قال ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ عنها : حسبك من النساء وفي رواية حسبك من نساء الدنيا أربع: فاطمة، وخديجة، وآسيا ـ امرأة فرعون ـ ومريم بنت عمران. حسبك من النساء أربع، فقدم هؤلاء النساء على غيرهن، ولذلك قال عن فاطمة ـ رضي الله عنها ـ سيدة نساء أهل الجنة.

دخلت عليه في مرضه في بيت عائشة فقربها إليه؛ فلما اقتربت منه سارها أي كلمها سراً، فبكت ـ رضي الله عنها وأرضاهاـ فلما رأى النبي ـ ﷺ ـ بكاءها، أشار إليها أن اقتربي، ثم سارها ثانية فضحكت ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ فقالت لها عائشة: ماذا قال لكِ، سألتك بحقي عليكِ أنا زوجة أبيكِ ماذا قال لكِ ضحكتي وبكيتي، حتى أن في بعض الأوقات، ما رأيت أسرع ضحكاً من بكاء، يعني عادة إذا بكى يستمر باكياً، إذا ضحك يستمر ضاحكاً، أما أن يبك ثم يضحك بهذه السرعة استغربت عائشة، فقالت: ما الذي أضحككي وما الذي أبكاكي، فقالت: فاطمة: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ أي أن النبي ـ ﷺ لو أراد أن يقوله لجهر به كونه أسر إليّ أي أنه لا يريد أن يسمعه الناس فسكتت عائشة.

فلما تُوفيَ النبي ـﷺ ـ دعت عائشة فاطمة ـ رضي الله عنها ـ فقالت لها أسألك الآن: بعد أن توفي رسول الله ـ ﷺ ـ ما الذي قال لك فأبكاكِ ثم قاله فأضحككِ، قالت: أما الآن فنعم، يعني بعد وفاة النبي ﷺ أخبركِ، سارني الأولى فقال: إن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة ، وفي هذا العام عارضه القرآن مرتين، قال النبي ـﷺ ـ ما أظن هذا إلا لاقتراب أجلي فاتق الله واصبري، فأنا خير سلف لك، قالت: فبكيت. لأن النبي ـ ﷺ ـ كان ينعي لها نفسه، وأنه سيموت قريباً فبكت، قالت: فلما رأى بكاي، سارني الثانية، وقال لها: ألا يسرك أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة، قالت: فضحكت، أي من هذا الخبر ـ رضي الله عنها وأرضاهاـ.

 

فصل – زواجها من علي رضي الله عنه :

تزوجت فاطمة ـ رضي الله عنها ـ من علي بن طالب، ابن عمها، ثم قدر الله تبارك وتعالى أنه في يوم من الأيام أراد عليّ أن يتزوج بنت أبي جهل طبعاً بعد وفاة أبي جهل  فتقدم إليهم، وعلمت فاطمة ـ رضي الله عنها ـ أن علياً قد تقدم للزواج من ابنة أبي جهل، فذهبت إلى النبي تشتكي، وقالت: يا رسول الله إن الناس يقولون إنك لا تغضب لبناتك، فقال لها: وما ذاك، لماذا لا أغضب لبناتي، قالت: إن ابن أبي طالب أراد أن يتزوج ابنة أبي جهل. فصعد النبي المنبر ثم ذكر أبا العاص بن الربيع وذكر مصاهرته للنبي ـ ﷺ ـ إذ أنه زوج زينب، وأثنى عليه، وقال: إنه وعدني فوفى، وإن ابن أبي طالب، أو إن آل عمرو بن هشام جاءوا يستأذونني في أن ينكح ابنتهم علي ابن أبي طالب، ألا إني لا أرضى، إن لا أحل حراماً، ولا أحرم حلالاً، ولكن لا تجتمع بنت نبي الله مع بنت عدو الله، عند رجل واحد. إني أخاف على فاطمة أن تفتن في دينها، فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما أذاها، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق فاطمة. فلما رأى عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ هذا الموقف المتشدد من النبي ـ ﷺ تجاه هذا النكاح توقف. ولم يقدم على الزواج من ابنة أبي جهل وظل على زوجته فاطمة حتى توفاها الله تبارك وتعالى ثم بعد ذلك تزوج غير بنت أبي جهل طبعاً.

فاطمة ـ رضي الله عنها ـ قيل إن علياً تزوجها  وهي بنت خمس عشرة سنة، وقيل أكبر من ذلك بقليل، فأنجبت لعلي الحسن والحسين، وأم كلثوم وزينب. وظلت فاطمة ـ رضي الله عنها ـ مع علي ـ رضي الله عنه ـ طوال حياتها في حاجة وفقر ولكنهما كان صابرين، وفي يوم من الأيام جاء النبي ـ ﷺ ـ  مال من البحرين التي هي الإحساء الآن،  وسمع عليٌ وسمعت فاطمة كما سمع الناس فذهبوا أو ذهبا إلى النبي ـ ﷺ ـ يسألانه خادماً يخدم في البيت من السبي، الذي جاء، ويد أو يدا فاطمة ـ رضي الله عنها ـ قد تشققت من كثرة العمل في البيت ، من الطحن في الرحى، وكنس البيت وتنظيفه وغير ذلك، فسألا النبي ـ ﷺ ـ خادماً، فقال لهما ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ ألا أدلكما على خير لكما من خادم ،قالا: بلى. قال: تسبحان الله قبل أن تناما ثلاثاً وثلاثين، وتحمدان ثلاثاً وثلاثين، وتكبران أربع وثلاثين، فذلك خير لكما من خادم. فقبلا. ورجعا إلى بيتهما قريرا العين، والتزما ما أمرهما به النبي ـ ﷺ ـ حتى إن علياً ـ رضي الله عنه ـ  بعد وفاة فاطمة في آخر حياته لما كان في الكوفة ذكر هذا الحديث فقال له قائل، أو علي قال بعد ذلك: فما تركتها ليلة، أي هذه ليلة، أي هذه الأذكار ، ما تركتها ولا ليلة واحدة، فقال له رجل من أهل الكوفة: ولا يوم صفين، كأنه يكذب علياً، يقول يوم صفين كان يوماً شديداً والفكر في القتال وكذا (أكيد نسيت لا تبالغ في قولك أنك ما تركته يوماً) فالتفت إليه علي: تباً لكم أهل العراق، لا والله ولا ليلة صفين، يعني ما تركت هذا لا تتكلم بهذا الطريقة كأنك تكذبني لا ولا ليلة صفين. واستمر علي ـ رضي الله عنه ـ على هذا الذكر.

 

فصل – خصائص فاطمة رضي الله عنها :

فاطمة ـ رضي الله عنها ـ لها خصائص، يعني أمور تميزت بها على قِصَرِ حياتها، تُوفيت بعد النبي ـ ﷺ ـ بستة أشهر، والمشهور أن عمرها خمس وعشرين سنة عندما توفيت ـ رضي الله عنها ـ وقيل أكثر من ذلك، وقيل أكبر، يعني أكثر ما قيل ثماني وعشرين سنة، وأقل ما قيل ثلاث وعشرين سنة، والمشهور خمس وعشرين سنة أو قريب من ذلك ـ رضي الله عنها ـ  على كل حال سواء قلنا ثلاث وعشرين سنة، أو ثماني وعشرين سنة صغيرة ـ رضي الله عنها ـ  ولذلك لم ترو أحاديث كثيرة عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  ومع هذا السن الصغير إلا أنها روت عن النبي ـ ﷺ ـ ولها خصائص.

من خصائص فاطمة ـ رضي الله عنها ـ أنها سيدة نساء أهل الجنة، {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [الحجرات: 13] ، هذه الصغيرة السن، ثماني وعشرين سنة على أكبر تقدير، أو خمس وعشرين سنة على المشهور، أو ثلاث وعشرين سنة على أقل تقدير، هذه المرأة ـ رضي الله عنها ـ سيدة نساء أهل الجنة ـ وكذلك أخبر عنها النبي ـ ﷺ ـ من خصائصها أنه قال: حسبك من النساء أربع: فاطمة بنت محمد، وخديجة بنت خويلد، وآسيا امرأة فرعون، ومريم بنت عمران.

من خصائص فاطمة، أنها أفضل بنات النبي ـ ﷺ ـ مع أنها أصغرهن إلا إنها أفضلهن، بالتقوى التي وقرت في قلبها ـ رضي الله عنها وأرضاها ـ هي الوحيدة من أولاد النبي ـ ﷺ ـ التي أصيبت به، كل أولاد النبي ماتوا في حياته، زينب وأم كلثوم ورقية، وإبراهيم، والقاسم، وعبد الله، كل هؤلاء والنبي حي، هؤلاء كلهم أصيب بهم النبي ـ ﷺ ـ وتألم لفراقهم، لكن الوحيدة التي تألمت لفراق النبي ـ ﷺ ـ وأصيبت به هي فاطمة ـ رضي الله عنها ـ  ولذلك بيّن لها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: اتق الله واصبري فأنا خير سلف لك ـ رضي الله عنها وأرضاها ـ.

من خصائصها: أن كلَّ من ينتسب إلى النبي اليوم يرجع عن طريق فاطمة، فكل ذرية النبي ـ ﷺ ـ من طريق هذه المرأة ـ رضي الله عنها وأرضاها ـ.

من خصائصها شَبَهُهَا بالنبي ـ ﷺ ـ كما قالت عائشة، ما رأيت أشبه برسول الله ـ ﷺ ـ حديثاً وكلاماً من فاطمة، وكانت إذا مشت لم تُخطيء مشية رسول الله ـ ﷺ ـ.

من خصائصها: أنها إذا دخلت على النبي ـﷺ ـ كان يقوم لها، ويقبل بين عينيها ويجلسها في مكانه.

من خصائصها: أنها أول آل بيت النبي ـ ﷺ ـ لحوقاً به إذ توفيت بعد وفاة النبي بأربعة قيل بأشهر وقيل بستة أشهر.

من خصائصها: أنها أول من صُنِعَ لها نعش، وذلك كما سيأتينا في الكلام عن وفاتها طلبت أن يصنع لها نعش حتى لا يرى تفاصيل جسمها.

من خصائصها: أن النبي ـ ﷺ ـ كان يضرب بها المثال، لما سرقت امرأة من بني مخزوم وشفعوا أسامة فيها عند النبي ـ ﷺ ـ قال: والله لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. وما ذكرها مثالاً إلا لعظم مكانها عند النبي ـ ﷺ ـ.

و في أول الدعوة لما دعا إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ قال يا عباس ابن عبد المطلب يا صفية عمة رسول الله ، يا فاطمة بنت محمد فخصها مند دون بناته ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ.

 

فصل – حبها للنبي ﷺ :

كان النبي ـ ﷺ ـ يمر على بيت فاطمة وعليّ ستة أشهر إذا قام إلى صلاة الفجر، وينادي بهذا البيت المبارك الطيب، يقول لهم: {انما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] الصلاة الصلاة يدعوهم للصلاة، وكثيراً ما كان يطرق عليهم الباب ليلاً يذكرهم بقيام الليل ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ.

في أول الدعوة لما بدأ النبي ـﷺ ـ يدعوا إلى الله ـ جل وعلا ـ أذاه كفار قريش ومن صور إيذائهم له أنه جاء الخبيث عقبة بن أبي معيط على النبي ـ ﷺ ـ وهو ساجد فألقى بسلى البعير بين كتفي النبي ـ ﷺ تبارك وتعالى ( وسلى البعير هي المشيمة) وذلك أن قريشاً يوماً في ناديها، وكان النبي يصلي عند الكعبة، فقال كفار قريش: أيكم يقوم إلى سلى هذه الجذور وهي ناقة قد ذبحت، وأخرجوا سلاها، أي المشيمة، فقال الكفار أيكم يقوم إلى سلى جذور بني فلان فليقيه بين كتفي محمد، وهو ساجد، فقام أشقاهم عقبة أبن أبي معيط أنا أفعلها، فقام وأخذ السلى ووضعه بين كتفي النبي ـ ﷺ ـ وهو ساجد، فجاءت فاطمة وهي جارية حديثة السن، والنبي ظل ساجداً والسلى على رقبته بين كتفيه فجاءت فاطمة رضي الله عنها وحملته، عن رسول الله ـ ﷺ ـ ثم التفت إلى قريش وسبتهم على هذا الفعل الشنيع بأبيها ورسولهاـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ ثم عمدت قريش على محاصرة النبي اقتصادياً، فمنعت الزواج بل والحديث والبيع والشراء مع بني هاشم ومن تابع النبي ـ ﷺ ـ فخرج إلى شعب أبي طالب، وخرجت معه فاطمة، وخرج معه أولادهم كلهم.

فاطمة ـ رضي الله عنها ـ اشتهرت بالحياء، وكان لما دخل عليها عبدها عندها ثوبها وهو قصير، إذا غطت رأسها كشفت قدمها، وإذا غطت قدمها كشفت رأسها ، فاحتارت ماذا تفعل؟ فهون عليها النبي ـ ﷺ ـ قال إنما هو عبدك ومولاك.

وجاء النبي ـ ﷺ ـ سألها يوماً والحديث فيه ضعف، فقال لها: أي شيء خير للنساء، فقالت: ألا ترى الرجال وألا يراها الرجال. تعني الرجال الأجانب، وهذا من سترها وحفاظها على نفسها ـ رضي الله عنها وأرضاها ـ .

بقيت في المدينة بعد أن هاجر النبي ـ ﷺ ـ ثم أرسل إليها النبي ـ ﷺ ـ فهاجرت تبعاً له  ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ لما جاءها خبر وفاة النبي ـ ﷺ أو قبيل وفاته وهو في النزع بكت عند النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقالت لما رأت العرق يتصبب من جبين النبي ـ  ﷺ ـ قالت: وا كرب أبتاه (يعني أن أبي أصابه كرب شديد من هذا الألم الذي يجده) وذلك أن النبي ـ ﷺ ـ كان يوعك كرجلين ـ ﷺ ـ ليرفع الله درجته ـ جل وعلاـ. فقالت: وا كرب أبتاه، فالتفت إليها النبي ـ ﷺ ـ  فقال: لا كرب على أبيك بعد اليوم، لا كرب على أبيك بعد اليوم، إنها الجنة.

ولما مات  ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ  قالت فاطمة ـ رضي الله عنها ـ:

يا أبتاه أجاب رباً دعاه

يا أبتاه جنة الفردوس مثواه

يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.

وأصيبت بالنبي ـ ﷺ ـ ثم دُفن ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ فلما دُفن ، وأظلمت المدينة، بعد أن كانت أنارت بقدومه ـ ﷺ ـ لقيت أنس بن مالك فقالت له: يا أنس مات رسول الله، قال: لها إي والله، قالت: دفنتم رسول الله. قال:نعم. قالت: حثوتم التراب على رسول الله . قال: نعم. قالت: كيف طابت نفوسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ، كنتم في الدنيا، تمنعون عنه كل شيء الآن تحسون عليه التراب. كيف طابت نفوسكم؟ أن تحثوا التراب على رسول الله. يقول أنس: فبكت وبكيت، ولم أستطع أن أجيبها على هذا الكلام الذي قالته لأنس ، أصيبت برسول الله حتى قيل إنها لم ترى ضاحكة بعد وفاة رسول الله ـ ﷺ ـ  وظلت مريضة حتى توفاها الله جل وعلا .

 

فصل – وفاتها رضي الله عنها :

بعد وفاة رسول الله ـ ﷺ ـ خرجت فاطمة إلى أبي بكر وهو قد بويع بالخلافة، تطلب ميراثها، من رسول الله ـ ﷺ ـ فقال لها أبو بكر: سمعت رسول الله ـ ﷺ ـ يقول لا نورث، ما تركناه صدقة، فرجعت ـ رضي الله تعالى عنها ـ وظلت في بيتها وكانت قد أصابها المرض وظلت هكذا حتى توفاها الله جل وعلا.

كانت عندها أسماء بنت عميس تمرضها دائماً ( وأسماء بنت عميس هي زوجة أبي بكر الصديق) كانت تمرض فاطمة، فكانت فاطمة يشغل بالها إذا توفيت كيف سيحملها الرجال، إلى قبرها، وكيف تغطى بهذه العباءة التي قد تفصل جسدها، فكانت تشتكي إلى أسماء خوفها من ذلك لشدة حيائها ـ رضي الله عنها وأرضاهاـ فقالت لها أسماء قد رأيت شيئاً في الحبشة قد أعجبني، وكانت أسماء قد هاجرت إلى الحبشة مع زوجها الأول جعفر بن أبي طالب، فقالت: وماذا رأيت؟ قالت: كان الناس في الحبشة يضعون للنساء نعشاً عبارة عن صندوق توضع فيه المرأة فلا يرى جسمها يغطيها هكذا من أعلاها فلا يرى تفاصيل جسمها، قالت صفيه لي، فوصفته لهان قالت ما أحسنه فإذا مت فاصنعي بي هكذا، ولذلك يقول ابن عبد البر: أول امرأة في الإسلام صنع لها نعش هي فاطمة بنت محمد ـ ﷺ ـ.

فلما توفيت فاطمة ـرضي الله عنها ـ غسلتها أسماء بنت عميس وعلي بن أبي طالب، ثم دفنت في البقيع في مكان يقال له دار عقيل بن ابي طالب، يعني هذه الدار كانت لعقيل في السابق ثم صارت في البقيع فدفنت هناك ـ رضي الله عنها وأرضاهاـ.

وهكذا ذهبت هذه النسمة الطيبة نسمة فاطمة ـ رضي الله عنها ـ نسمة سيدة نساء أهل الجنة، نسمة نساء العالمين البرعة النبوية ـ صلوات ربي وسلامه على أبيها ، ورضي عنها، والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

مقالات ذات صلة :