• 7 نيسان 2017
  • 2,617

سلسلة من نحب - الله تعالى – (3) العفوّ، الغفور، الغفّار، التّوّاب :

قال الله تعالى: {ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج: 60]، وقال تعالى: {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 99]، وقال تعالى: {وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 73]، وقال تعالى: {يَغفِرُ لِمَن يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفورًا رَحيمًا} [الفتح: 14]، وقال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ} [طه: 82]، وقال تعالى: {وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 160].

والعفوّ: هو الذي يمحو السيِّئات، ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من الغفور، ولكنه أبلغ منه؛ فإنّ الغفران ينبئ عن السِّتر، والعفو ينبئ عن المحو، والمحو أبلغ من السِّتر، وهذا حال الاقتران، أما حال انفرادهما فإنّ كل واحد منهما يتناول معنى الآخر.

والتّوّاب: هو الذي يتوب على من يشاء من عباده بالتوفيق للتوبة، كما قال سبحانه: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِن اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118]، وبالقبول لها، كما قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ عِبَاده وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَات وَيَعْلَم مَا تَفْعَلُونَ} [الشورى: 25].

والعفو والمغفرة من لوازم ذاته لا يكون إلا كذلك، ولا تزال آثار ذلك ومتعلقاتُه تشمل الخليقة آناء الليل والنهار، فعفوه ومغفرته وسعت المخلوقات والذنوب والجرائم، فهو سبحانه لم يزل ولا يزال بالعفو والتجاوز معروفاً، وبالصّفح والغفران موصوفاً، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43]، وقال تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 99].

والتقصير الواقع من الخلق يقتضي العقوبات المتنوعة، ولكن عفو الله ومغفرته تدفع هذه الموجبات والعقوبات {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فاطر: 45]، وهذا من كمال عفوه، فلولا كمال عفوه وحلمه ما ترك على ظهر الأرض من دابة، ومثلها قوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل: 61].

ومن هذا الباب ما ورد في "الصّحيحين"(1) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس أحدٌ - أوليس شيء - أصبرَ على أذى سَمِعَه من الله، إنّهم ليدعون له ولداً، وإنه ليعافيهم ويرزقهم".

وعفوه تعالى نوعان:

النوع الأول: عفوه العام عن جميع المجرمين من الكفار وغيرهم، بدفع العقوبات المنعقدة أسبابها، والمقتضية لقطع النّعم عنهم، فهم يؤذونه بالسَّبِّ والشِّرك وغيرها من أصناف المخالفات، وهو يعافيهم ويرزقهم ويدرُّ عليهم بالنّعم الظاهرة والباطنة، ويبسط لهم الدّنيا، ويعطيهم من نعيمها ومنافعها ويمهلهم ولا يهملهم بعفوه وحلمه سبحانه.

والنوع الثاني: عفوه الخاص، ومغفرته الخاصّة للتائبين والمستغفرين والدّاعين والعابدين، والمصابين بالمصائب المحتسبين، فكلّ من تاب إليه توبة نصوحاً - وهي الخالصة لوجه الله العامة الشاملة التي لا يصحبها تردُّد ولا إصرار - فإنّ الله يغفر له من أيّ ذنب كان، من كفر وفسوق وعصيان، وكلّها داخلة في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].

وقد تواترتْ النّصوص من الكتاب والسنة في قبول الله التوبة من عباده من أيِّ ذنب كان، وكذلك الاستغفار المجرّد يحصل به من مغفرة الذنوب والسيئات بحسبه، وفي الحديث القدسي، قال الله تعالى: "يا ابن آدم إنّك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغتْ ذنوبُك عنان السّماء، ثم استغفرتني غفرتُ لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتُك بقرابها مغفرة". رواه الترمذي(2).

وكذلك من عفوه سبحانه أنّ الحسنات والأعمال الصّالحة تكفّر السيئات والخطايا، قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، وفي الحديث: "وأتبع السّيئةَ الحسنةَ تمحُها" رواه أحمد والترمذي والحاكم وغيرهم(1).

وكذلك من عفوه أنّ المصائب التي تصيبُ العبد في نفسه أو ولده أو ماله تكفِّر سيِّئاته، خصوصاً إذا احتسب ثوابها وقام بوظيفة الصّبر أو الرّضى.

ومن عظيم عفوه سبحانه أنّ العبد يبارز ربَّه بالعظائم والجرائم فيلطف به ربُّه، ويحل عليه عفوه، فيشرح صدره للتوبة، ويتقبّل منه متابه، بل إنّه سبحانه يفرح بتوبة عبده إذا تاب مع أنه غني حميد، لا تنفعه طاعةُ مَنْ أطاع، ولا تضرّه معصيةُ مَنْ عصى.

روى مسلم في "صحيحه"(2) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "لله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلِّها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال - من شدّة الفرح -: اللهمّ أنت عبدي وأنا ربّك، أخطأ من شدّة الفرح".

وينبغي هنا أن يعلم أنَّ علمَ العبد بهذه الأسماء العظيمة بابٌ عظيم لنيل عالي المقامات، ولا سيما مع مجاهدة النّفس على تحقيق مقتضياتها، من لزوم الاستغفار، وطلب العفو، ودوام التوبة، ورجاء المغفرة، والبعد عن القنوط وتعاظم غفران الذنوب، فهو سبحانه عفو غفور لا يتعاظمه ذنب أن يغفره مهما بلغ الذنب وعظم الجرم، والعبد على خير عظيم ما دام طالباً عفو ربِّه، راجياً غفرانه.

وتأمّل في هذا المقام ما رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"(3) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ فيما يحكيه عن ربِّه عزّ وجلّ قال: "أذنب عبدٌ ذنباً، فقال: اللهمّ اغفر

لي ذنبي، فقال تبالك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً، فعلم أنّ له ربّاً يغفر الذّنب، ويأخذُ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنباً فعلم أنّ له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي ربّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أنّ له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذّنب، اعمل ما شئتَ فقد غفرتُ لك" أي ما دُمتَ تائباً أوّاهاً منيباً.

وأبواب عفوه وغفرانه مفتوحة، ولم يزل ولا يزال عفوّاً غفوراً، وقد وعد بالمغفرة والعفو لمن أتى بأسبابها، كما قال سبحانه: {وَإنّي لَغَفَّار لمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَملَ صَالحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82].

اللهمَّ مُنَّ علينا بعفوك وأكرمنا بغفرانك، وتبْ علينا إنّك أنت التّوّاب الرّحيم.

****

 

(1) "صحيح البخاري" (رقم: 6099)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2804).

(2) في "جامعه" (رقم: 3540) من حديث أنس رضي الله عنه، وقال: "غريب" وفي بعض النسخ: "حسن غريب" وفي إسناده جهالة، ولكن له شاهد من حديث أبي ذر رضي الله عنه؛ ولذلك حسّنه الألباني رحمه الله في "السلسلة الصحيحة" (رقم: 127).

(1) "المسند" (5 / 153)، و"جامع الترمذي" (رقم: 1987)، و"مستدرك الحاكم" (1/54) وهو طرف من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وصحّحه الترمذي والحاكم.

(2) (رقم: 2747).

(3) "صحيح البخاري" (رقم: 7507)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2758) واللفظ له.

مقالات ذات صلة :