• 8 نيسان 2017
  • 2,107

سلسلة من نحب - الله تعالى – (1) الرّبّ :

وهو اسمٌ عظيم لله جلّ وعلا، تكرّر وروده في القرآن الكريم في مقامات عديدة وسياقات متنوعة تزيد على خمسمائة مرَّة، قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، وقال تعالى: {قُل إِنَّ صَلاتي وَنُسُكي وَمَحيايَ وَمَماتي لِلَّـهِ رَبِّ العالَمينَ} [الأنعام: 162]، وقال تعالى: { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164]، وقال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]، وقال تعالى: {سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58].

ومعنى الربِّ أي: ذو الرُّبوبية على خلقه أجمعين خلقاً ومُلكاً وتصرُّفاً وتدبيراً، وهو من الأسماء الدالَّة على جملةِ معانٍ لا على معنى واحد.

قال ابن جرير الطبريّ رحمه الله: "الرب في كلام العرب متصرف على معان، فالسيد المطاع فيهم يدعى ربّاً، والرجل المصلح الشيء يدعى ربّاً، والمالك للشيء يدعى ربه، وقد يتصرف أيضا في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود على بعض هذه الوجوه الثلاثة، فربنا جل ثناؤه السيد الذي لا شبه له ولا مثل في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر"(1).

وقال ابن الأثير رحمه الله: "الرب يطلق في اللغة على المالك والسيد والمدبِّر والمربِّي والقيِّم والمنعم، ولا يطلق غير مضافٍ إلا على الله تعالى، وإذا أطلق على غيره أُضيف، فيقال: رب كذا"(2).

بل إنَّ هذا الاسم إذا أُفرد تناول في دلالاته سائرَ أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وفي هذا يقول العلَّامة ابن القيم رحمه الله: "إنَّ الربَّ هو القادر الخالق البارئ المصوِّر الحيُّ القيُّوم العليم السميع البصير المحسن المنعم الجواد، المعطي المانع، الضار النافع، المقدِّم المؤخِّر، الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ويسعد من يشاء ويشقي من يشاء، ويعزُّ من يشاء ويذلُّ من

يشاء، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقُّه من الأسماء الحسنى"(1). اهــ

وذلك أنّ من يُمعن النّظر في هذا الاسم ويتأمّل في دلالته يشهد "قيّوماً قام بنفسه، وقام به كلّ شيء، فهو قائم على كلِّ نفس بخيرها وشرِّها، قد استوى على عرشه، وتفرّد بتدبير ملكه، فالتدبير كلّه بيديه، ومصير الأمور كلّها إليه، فمراسيم التدبيرات نازلة من عنده على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع، والخفض والرّفع، والإحياء والإماتة، والتوبة والعزل، والقبض والبسط، وكشف الكروب، وإغاثة الملهوفين، وإجابة المضطرين {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29]. لا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما منع، ولا معقِّب لحكمه، ولا رادّ لأمره، ولا مبدّل لكلماته، تعرج الملائكة والرّوح إليه، وتعرض الأعمال أوّل النّهار وآخره عليه، فيقدّر المقادير، ويوقّت المواقيت، ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها قائماً بتدبير ذلك كله وحفظه ومصالحه"(2).

وربوبية الله للعالمين تشمل العالم كله، فهو الذي رَبَّى جميع المخلوقات بنعمه وأوجدها بمشيئته وقدرته، وأمدها بما تحتاج إليه، أعطى كل شيء خلقه اللائق به، ثم هدى كل مخلوق لما خلق له، وأغدق على عباده النعم، ونماهم وغدَّاهم وربَّاهم أكمل تربية.

وتربيته سبحانه وربوبيته تعالى نوعان:

ربوبية عامة تشمل كل مخلوق بَرّاً أو فاجراً، مؤمناً أو كافراً، سعيداً أو شقيّاً، مهتدياً أو ضالّاً، وهي تربيته لهم أجمعين بالخلق والرزق، والتدبير والإنعام، والعطاء والمنع، والخفض والرفع، والإحياء والإماتة، والتولية والعزل، والقبض والبسط، وكشف الكروب وإغاثة الملهوفين وإجابة المضطرين {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29].

وتربية خاصة لأوليائه حيث رباهم فوفَّقهم للإيمان به والقيام بعبوديته، وغذَّاهم بمعرفته والإنابة إليه، وأخرجهم من الظلمات إلى النُّور، ويسرهم لليسرى وجنبهم العسرى، ويسَّرهم لكلِّ خير، وحفظهم من كلِّ شرٍّ.

(2) "كتاب الصلاة" (ص/173).

ولهذا كانت أدعية أولي الألباب والأصفياء الواردة في القرآن باسم الربِّ استحضاراً لهذا المطلب، وطلبا منهم لهذه التربية الخاصة، فتجد مطالبهم كلها من هذا النوع، واستحضار هذا المعنى عند السؤال نافع جدا للعبد.

ثم إنَّ إيمان العبد بالله ربّاً يستلزم إخلاص العبادة له وكمال الذل بين يديه، قال تعالى: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21]، فكونه سبحانه رب العالمين يقتضي ألَّا يتركهم سُدى وهملاً لا يؤمرون ولا ينهون، بل خلقهم لطاعته وأوجدهم لعبادته، فالسَّعيد منهم من أطاعه وعَبدَه، والشقيُّ منهم من عصاه واتبع هواه، ومن آمن بربوبيَّة الله ورضي بالله ربّاً رضي بما يأمُرُه به وينهاه عنه ويقسمُه له ويقدره عليه ويعطيه إيَّاه ويمنعه منه، ومتى لم يرضَ بذلك لم يكن محقِّقاً الرِّضى بالله ربّاً من كل الوجوه، وفي الحديث: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولاً" رواه مسلم(1).

هذا وإن شهود العبد انفراد الرّب تبارك وتعالى بالخلق والحكم وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا تتحرّك ذرّة إلَّا بإذنه، وأنّ الخلق مقهورون تحت قبضته، وأنه ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابعه إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه فيه تحقيق لمقام {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] علماً وحالاً فيثبت قدم العبد في توحيد الربوبية ثم يرقى منه صاعدا إلى توحيد الإلهية، فإنه إذا تيقن ذلك لم يتخذ سواه سبحانه إلها ومعبوداً، فأوّل ما يتعلق القلب يتعلق بتوحيد الربوبية ثم يرتقي إلى توحيد الإلهية كما يدعو الله سبحانه عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى النوع الآخر ويحتجُّ عليهم به ويقرّرهم به ثم يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في الإلهية.

قال الله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 87]: أي فأين يصرفون عن شهادة أن لا إله إلا الله وعن عبادته وحده وهم يشهدون أنه لا رب غيره ولا خالق سواه، وقال تعالى: {قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٤﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّـهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [المؤمنون: 84-85]، فتعلمون أنه إذا كان هو وحده مالك الأرض ومن فيها وخالقهم

وربهم ومليكهم فهو وحده إلههم ومعبودهم فكما لا رب لهم غيره فهكذا لا إله لهم سواه، وفي هذا احتجاج عليهم بأن من فعل لهم هذا وحده فهو الإله لهم وحده، فإن كان معه رب فعل هذا فينبغي أن تعبدوه وإن لم يكن معه رب فعل هذا فكيف تجعلون معه إلها آخر(1).

وهذا من أبين ما يكون دلالةً على فساد الشرك وما عليه أهله من السفه والضلال، تعالى الله عما يشركون.

 

(1) "تفسيره" (1/ 142-143) باختصار.

(2) "النهاية في غريب الحديث" (1/179).

(1) "بدائع الفوائد" (2/212).

(1) في "صحيحه" (رقم: 34) من حديث العباس رضي الله عنه.

 

مقالات ذات صلة :