• 8 نيسان 2017
  • 2,635

سلسلة من نحب - الله تعالى – (13) - الكبير، العظيم :

قال تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [لقمان: 30]، وقال تعالى: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} [غافر: 12]، {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، وقال تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الحاقة: 52].

والكبير العظيم أي: الذي له الكبرياء نعتاً والعظمة وصفاً، قال تعالى في الحديث القدسيّ: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النّار"، رواه أحمد وأبو داود(1).

ومعاني الكبرياء والعظمة نوعان:

أحدهما: يرجع إلى صفاته سبحانه، وأنّ له جميع معاني العظمة والجلال، كالقوّة، والعزّة، وكمال القدرة، وسعة العلم، وكمال المجد، وغيرها من أوصاف العظمة والكبرياء، ومن عظمته أنّ السموات السبع والأرضين السبع في يد الله كخردلة في يد أحدنا، كما قال ذلك ابن عباس رضي الله عنهما.

قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67]، فله سبحانه وتعالى الكبرياء والعظمة الوصفان اللذان لا يقادر قدرهما، ولا يبلغ العباد كنههما، وقد صحّ عن النبيّ ﷺ أنه كان يقول في ركوعه وسجوده: "سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة" رواه أحمد وأبو داود والنسائي(2).

النوع الثاني: أنه لا يستحقّ أحدٌ التّعظيم والتكبير والإجلال والتمجيد غيره، فيستحق على العباد ان يعظّموه بقلوبهم وألسنتهم وأعمالهم، وذلك ببذل الجهد في معرفته ومحبّته والذّل له والخوف منه، ومن تعظيمه سبحانه أن يطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، ومن تعظيمه وإجلاله أن يخضع لأوامره وشرعه وحكمه، وأن لا يُعترض على شيء من خلقه أو على شيء من شرعه، ومن تعظيمه تعظيم ما عظمه واحترمه من زمان ومكان وأشخاص وأعمال، والعبادة روحها تعظيم الباري وتكبيره؛ ولهذا شرعت التكبيرات في الصّلاة في افتتاحها وتنقلاتها ليستحضر العبد معنى تعظيمه في هذه العبادة التي هي أجلّ العبادات.

بل إنّ التكبير مصاحب للمسلم في عبادات عديدة وطاعات متنوعة، فالمسلم يكبِّر الله عندما يكمل عدّة الصّيام، كما قال تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]، ويكبّر الله في الحجّ، قال تعالى: {لَن يَنَالَ اللَّـهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَـكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37].

وبهذا تتبيّن مكانة التكبير وجلالة قدره، وعظم شأنه من الدّين، والتكبير يراد به أن يكون الله عند العبد أكبر من كلّ شيء، كما قال النبيُّ ﷺ لعدي بن حاتم: "ما يُفِرُّكَ أن تقول لا إله إلا الله، فهل تعلمُ مِن إلهٍ سوى الله؟ قال: قلتُ: لا. قال: ثمّ تكلّم ساعةً، ثم قال: إنّما تَفِرُّ أن تقولَ الله أكبر، وتعلمُ شيئَاً أكبرَ من اللهِ؟ قال: قلت: لا" الحديث. رواه أحمد والترمذي وابن حبان(1).

وبه يتبيّن معنى (الله أكبر) أي من كلِّ شيء، فلا شيء أكبر ولا أعظم منه، ولهذا يقال: إنَّ أبلغ لفظة للعرب في معنى التّعظيم والإجلال هي: الله أكبر، أي صِفْهُ بأنّه أكبرُ من كلِّ شيء، واعتقدْ أنّه أكبر من كلّ شيء.

وكما تقدّم؛ التكبير معناه: التّعظيم، لكنه ليس مرادفاً له، فالكبرياء أكمل من العظمة؛ لأنّه يتضمّنها ويزيد عليها في المعنى، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وفي قوله "الله أكبر" إثبات عظمته، فإنّ الكبرياء تتضمّن العظمة، ولكن الكبرياء أكمل. ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الصلاة والأذان بقول: "الله أكبر"، فإنّ ذلك أكمل من قول: "الله أعظم"، كما ثبت في "الصّحيح" عن النبيّ ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما عذّبته"، فجعل العظمة كالإزار، والكبرياء كالرّداء، ومعلوم أنّ الرداء أشرف، فلما كان التكبير أبلغ من التعظيم صرّح بلفظه، وتضمّن ذلك التعظيم"(1) اهـ.

وها هنا أمر ينبغي التنبّه له وعدم إغفاله، وهو أنّ المسلم إذا اعتقد وآمن بأنّ الله سبحانه وتعالى أكبر من كلّ شيء، وأنّ كلَّ شيء مهما كبر يصغر عند كبرياء الله وعظمته، علم من خلال ذلك علم اليقين أن كبرياء الرّب وعظمته وجلاله وجماله وسائر أوصافه ونعوته أمر لا يمكن أن تحيط به العقول أو تتصوره الأفهام، أو تدركه الأبصار، والأفكار، فالله أعظم وأكبر من ذلك {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111].

وأمر آخر، ألا وهو أنّ من علم مدلول هذين الاسمين ذلَّ لربِّه وانكسر بين يديه، وصرف له أنواع العبادة، واعتقد أنّه المستحقّ لها دون سواه، وعرف أنّ كلَّ مُشرك لم يقدر ربَّه العظيم حقَّ قدره، كما قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67]، وقال تعالى: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّـهِ وَقَارًا ﴿١٣﴾ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴿١٤﴾ أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّـهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ﴿١٥﴾ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴿١٦﴾ وَاللَّـهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ﴿١٧﴾ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ﴿١٨﴾ وَاللَّـهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴿١٩﴾ لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} [نوح: 13-20].

وسبحان الله! أين ذهبتْ عقولُ هؤلاء المشركين حين صرفوا ذلّهم وخضوعهم وانكسارهم ورجاءهم وخوفهم ورغبهم ورهبهم وحبَّهم وطمعَهم إلى مخلوقات ضئيلة، وكائنات ذليلة، لا تملك لنفسها شيئاً من النّفع والضّر، فضلاً عن أن تملكه لغيرها، وتركوا الخضوع والذّل للربِّ العظيم والكبير المتعال، والخالق الجليل تعالى الله عمّا يصفون، وسبحان الله عمّا يشركون، وهو وحده المستحقّ للتعظيم والإجلال والتّألّه والخضوع والذّل، وهذا خالص حقّه، فمن أقبحِ الظُّلمِ أن يُعطى حقّه لغيره، أو يشرك بينه وبين غيره فيه، ومن اتّخذ الشركاء والأنداد له ما قدر اللهَ حقَّ قدره، ولا عظّمه حقَّ تعظيمه، سبحانه وتعالى الذي عنت له الوجوه، وخشعت له الأصوات، ووجلت القلوب من خشيته، وذلّت له الرِّقاب، تبارك الله ربّ العالمين.

****

 

(1) "مسند الإمام أحمد" (2/ 248)، و"سنن أبي داود" (رقم: 4090) وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وإسناده حسن.

(2) "مسند الإمام أحمد" (2/ 223)، و"سنن أبي داود" (رقم: 873)، و"سنن النسائي" (رقم: 1049)، وغيرهم من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، وإسناده صحيح.

(1) "مسند الإمام أحمد" (4/ 378)، و"جامع الترمذي" (رقم: 2953) - واللفظ له -، و"صحيح ابن حبان" (رقم: 7206) وغيرهم. وحسّنه الترمذيّ.

(1) "مجموع الفتاوى" (10/ 253).

مقالات ذات صلة :