• 8 نيسان 2017
  • 3,347

سلسلة من نحب - الله تعالى – (12) – الفتَّاح :

قال الله تعالى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: 26]، وقال تعالى: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا  عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا  رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89].

ومعنى هذا الاسم: أي: الذي يحكم بين عباده بما يشاء، ويقضي فيهم بما يريد، ويمنّ على من يشاء منهم بما يشاء، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه وأمره، قال الله تعالى: {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا  وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2].

قال ابن القيم رحمه الله في "نونيته" في بيان هذا الاسم وإيضاح مدلوله ومعناه:

وكذلك الفتَّاح من أسمائه                     والفتح في أوصافه أمران

فتح بحكمٍ وهو شرع إلهنا                    والفتح بالأقدار فتح ثان

والربُّ فتّاح بذين كليهما                     عدلاً وإحساناً من الرحمن

قال الشّيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في شرحه لهذه الأبيات: "فالفتّاح هو الحكم المحسن الجواد، وفتحه تعالى قسمان: أحدهما: فتحه بحكمه الديني وحكمه الجزائي، والثاني: الفتاح بحكمه القدري، ففتحه بحكمه الديني هو شرعه على ألسنة رسله جميع ما يحتاجه المكلفون ويستقيمون به على الصراط المستقيم، وأما فتحه بجزائه فهو فتحه بين أنبيائه ومخالفيهم وبين أوليائه وأعدائهم، بإكرام الأنبياء وأتباعهم ونجاتهم، وبإهانة أعدائهم وعقوباتهم، وكذلك فتحه يوم القيامة وحكمه بين الخلائق حين يوفي كل عامل ما عمله.

وأمّا فتحه القدري فهو ما يقدره على عباده من خير وشر ونفع وضر وعطاء ومنع، قال تعالى: {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا  وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ  وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2]، فالرب تعالى هو الفتاح العليم، الذي يفتح لعباده الطائعين خزائن جوده وكرمه، ويفتح على أعدائه ضد ذلك، وذلك بفضله وعدله"(1).

وقال رحمه الله: "للفتاح معنيان: الأول: يرجع إلى معنى الحكم الذي يفتح بين عباده، ويحكم بينهم بشرعه ويحكم بينهم بإثابة الطائعين وعقوبة العاصين في الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: 26]، وقوله تعالى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89].

فالآية الأولى: فتحه بين العباد يوم القيامة، وهذا في الدّنيا بأن ينصر الحقَّ وأهله، ويذل الباطل وأهله، ويوقع بهم العقوبات.

المعنى الثاني: فتحه لعباده جميع أبواب الخيرات، قال تعالى: {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} الآية، يفتح لعباده منافع الدنيا والدِّين، فيفتح لمن اختصَّهم بلطفه وعنايته أقفال القلوب، ويدر عليها من المعارف الربانية والحقائق الإيمانية ما يصلح أحوالها وتستقيم به على الصراط المستقيم، وأخص من ذلك أنه يفتح لأرباب محبته والإقبال عليه علوما ربانية وأحوالا روحانية وأنواراً ساطعة وفهوماً وأذواقاً صادقة، ويفتح أيضا لعباده أبواب الأرزاق وطرق الأسباب، ويهيِّء للمتقين من الأرزاق وأسبابها ما لا يحتسبون، ويعطي المتوكلين فوق ما يطلبون ويؤمّلون، وييسّر لهم الأمور العسيرة، ويفتح لهم الأبواب المغلقة"(2).

ولهذا كان رسل الله يتوجّهون إليه بطلب الفتح بينهم وبين أقوامهم فيما حصل بينهم من الخصومة.

قال تعالى عن نوح عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [الشعراء: 117-118]، وذكر سبحانه من دعاء شعيب عليه السلام: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89].

{وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: 15]، أي: استنصرت الرُّسل ربَّها على قومها، وقيل: استفتحت الأمم على أنفسها، أي: استعجلوا فتح الله وفرقانه بين أوليائه وأعدائه.

وقد استجاب الله دعوات رسله عليهم صلوات الله وسلامه بالفتح بينهم وبين أقوامهم بالحق، فجاء أمره سبحانه بنصر الرسل عليهم السلام والمؤمنين، وإهلاك أعدائهم من الكفار الظالمين المعتدين.

ومن فتحه سبحانه حكمه بين العباد يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، كما قال سبحانه: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ}، أي: أنه سبحانه يحكم بينهم حكما يتبين به الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، والمستحق للثواب من المستحق للعقاب، ولهذا سمى تبارك وتعالى يوم القيامة بيوم الفتح في قوله: {قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ} [السجدة: 29]، أي: يوم القيامة الذي يحصل به عقابكم إذا جاء انقضى الأمر ولم يحصل لكم فيه إمهال ولم يكن فيه للتدارك أيّ مجال.

هذا؛ وإنَّ إيمان العبد بأن ربَّه سبحانه هو الفتاح يستوجب من العبد حسن توجهٍ إلى الله وحده بأن يفتح له أبواب الهداية وأبواب الرزق وأبواب الرحمة، وأن يفتح على قلبه بشرح صدره للخير، قال سبحانه: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ  فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ  أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الزمر: 22].

قال القرطبي: "وهذا الفتح والشرح ليس له حدّ، وقد أخذ كلُّ مؤمن منه بحظ، ففاز منه الأنبياء بالقسم الأعلى، ثم من بعدهم الأولياء، ثم العلماء، ثم عوام المؤمنين، ولم يخيِّب الله منه سوى الكافرين"(2).

وفي "صحيح مسلم"(3) عن أبي حميد أو عن أبي أسيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقلْ: اللَّهمَّ افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقلْ: اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك".

فالرّحمة والفضل والخير كلُّه بيد الله يفتح به على من يشاء وييسره لمن يشاء، فكل هذا من آثار هذا الاسم ومقتضياته.

وإنا لنسأل الله ونتوسل إليه بهذا الاسم العظيم وندعوه بأنه الفتاح وبأنه خير الفاتحين أن يفتح على قلوبنا بالإيمان الصحيح والاهتداء الكامل واليقين الراسخ، وأن يفتح لنا خزائن رحمته وأبواب كرمه وموائد بره وواسع فضله ونعمه، إنه سميع مجيب.

****

 (1) "تفسير ابن كثير" (/ 403).

(2) "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى" (1 / 225).

(3) (رقم: 713).

مقالات ذات صلة :