• 8 نيسان 2017
  • 2,499

سلسلة من نحب - الرسل والأنبياء - (6) سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام :

المقدمة :

إبراهيم  عليه الصلاة والسلام هو أبو الأنبياء الذي قال الله تبارك وتعالى عنه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 120، 121]

فهذه أربعة أنواع من الثناء، افتتحها بأنه أُمَّة، والأمَّة هو : القدوة الذي يؤتم الناس..، والفرق بين الأُمَّة والإمام من وجهين :

أحدهما: أن الإمام كل ما يؤتم به سواء كان بقصده و شعوره أو لا، ومنه سُمِّي الطريق إمامًا.

الثاني: أن الأُمَّة فيه زيادة معنى، وهو الذي جمع صفات الكمال من العلم والعمل بحيث بقى فرداً وحده، فهو الجامع لخصال تفرقت في غيره، فكأنه باين غيره باجتماعها فيه وتفرقها أو عدمها في غيره.

الثناء الثاني: قوله { قَانِتًا } [النحل: 120] ..، والقنوت يُفَسَّر بأشياء كلها ترجع إلى دوام الطاعة.

الثناء الثالث: قوله: {حَنِيفًا} [النحل: 120] والحنيف المقبل على الله، ويلزم هذا المعنى ميله عمَّا سواه.

الثناء الرابع: قول: {شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ} [النحل: 121] والشكر للنعم مبني على ثلاثة أركان:

1- الإقرار بالنعمة.

2- وإضافتها إلى المنعِم بها.

3- وصرفها في مرضاته، والعمل فيها بما يجب، فلا يكون العبد شاكراً إلا بهذه الأشياء الثلاثة، والمقصود أنه مدح خليله بأربع صفات، كلها ترجع إلى العلم، والعمل بموجبه، وتعليمه ونشره. فعاد الكمال كله إلى العلم والعمل بموجبه ودعوة الخلق إليه". انظر " مفتاح دار السعادة" (1/ 523 ـ 524).

ذُكر نبي الله إبراهيم في كتاب الله تبارك وتعالى تسعاً وستين مرة، واختلف أهل العلم في اسم لأبيه، فالذي ذكره الله تعالى في كتابه      العزيز أن اسم أبيه آزر، كما قال ـ جل وعلا ـ {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ} [الأنعام: 74] ، وكذلك جاء في السنة عن النبي ﷺ أنه قال: " يقلى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة  ـ وعلى وجه آزر قترة وغبرة ـ، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول لإبراهيم عليه الصلاة والسلام: فاليوم لا أعصيك، عندها يقول إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه: يا رب إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، وأّيُّ خزي أخزى من أبي الأبعد، فيقول الله له : إني حرمت الجنة على الكافرين؟" (1)

والذي جاء في الكتاب والسنة أن اسم أبيه آزر، والمشهور في كتب الأنساب وفي كتب أهل الكتاب أن اسم أبيه تارح، وقيل: إن آزر عمُّ لإبراهيم، وهو الذي ربّاه، فسماه أباً، لقول النبي ﷺ " عمّ الرجل صنو أبيه" (2) يعني كأبيه، فسماه أباً من باب الاحترام.

والظاهر من نصوص القرآن الكريم أن آزرَ أبٌ صريح لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، فجمع بعض أهل العلم هذا بقولهم: لعل أحد الاسمين لقب والآخر اسم، فيكون اسمه آزر، ولقبه تارح، أو العكس، أو يكون له أكثر من اسم، وأياً كان لا يهم كثيراً.

 

(1) أخرجه البخاري (3350) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

(2) أخرجه الإمام مسلم (1634) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

 

فصل - نشأة إبراهيم عليه السلام :

نشأ إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه في العراق، في بيئة وثنية، تُقدس الأصنام، وتعبدها من دون الله تبارك وتعالى، بل قيل: إنهم كانوا صابئةَ يعبدون الشمس ، والقمر، والكواكب، وأياً كان، فعبادتهم للأصنام جاء النص عليها في كتاب الله تبارك وتعالى.

ذُكر أن أبا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه كان نجاراً، وكان ينجر الأصنام ، وكان أحياناً يعطيها لولده إبراهيم، يأمره أن يبيعها، فيخرج بها إبراهيم ـ وهو صغير ـ إلى السوق، فينادي بالناس: " من يشتري ما يضر ولا ينفع"، وكان أحياناً يذهب بها إلى الماء، فيغطس رأسها في الماء ويقول:" اشربي" متهكماً صلوات اله وسلامه عليه.

ومن نظر في الكتاب والسنة يتبين له أن الله تبارك وتعالى لم يذكر لنا ولا النبي ﷺ شيئاً عن نشأة إبراهيم، لا عن بلده، ولا عن زمانه، ولا عن نشأته من الصغر، كيف نشأ؟ كيف رُبي؟ لم يُذكر شيء من هذا، وإنما أول ما ذكر عن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، هو أنه جاء وخاطب قومه في عبادتهم للأصنام.

 

فصل - المسلمون أحق الناس بإبراهيم عليه السلام :

انتسب إلى إبراهيم أربعُ طوائف: المسلمون، واليهود، والنصارى، والمشركون، كلُّ انتسبوا لإبراهيم، فهو إذاً عامل مشترك بين الجميع، فالكل يعظم هذا الإنسان صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك نبه الله تبارك وتعالى كثيراً في كتابه العزيز على حال إبراهيم، ومن الذي يستحق أن ينتسب إليه صلوات الله وسلامه عليه.

أما اليهود والنصارى فقد قال الله تبارك وتعالى يخاطب أهل الكتاب { أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 140] ، وقال سبحانه وتعالى : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 65] ، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام، ما كان يهودياً ولا نصرانياً، كما قال الله تبارك وتعالى: { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67] ، فكان صلوات الله وسلامه عليه متحنفاً عن الشرك أي: منحرفاً عن الشرك إلى الإيمان.

 

فصل - حقيقة دعوة إبراهيم عليه السلام :

والآيات التي تبين حقيقة دعوة إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه كثيرة جداً في كتاب الله تبارك وتعالى، فمنها قول الله تبارك وتعالى {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [النحل: 120 - 123]، وقال جل ذكره لنبيه محمد ﷺ : {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [الأنعام: 161] ، وقال سبحانه وتعالى : {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [آل عمران: 95] ، وقال: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج: 78] .

فنبه الله تبارك وتعالى كثيراً في كتابه العزيز على هذه القضية المهمة، وهي أن إبراهيم ما كان مشركاً، ولذلك لما فتح الله تبارك وتعالى على نبيه مكة ـ شرفها الله ـ دخل الكعبة، فوجدهم رسموا إبراهيم وإسماعيل صلوات الله وسلامه عليهما وهما يستقسمان بالأزلام، فقسم النبي ﷺ :" والله إنِ استقسما بالأزلام أبداً" (1)، و(إنْ) هنا بمعنى (ما) النافية.

 

(1) أخرجه البخاري (3352) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنه

 

فصل - فضل إبراهيم عليه السلام:

نبه الله تبارك وتعالى وكذا نبيه ﷺ كثيراً على فضل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، فمما جاء في كتاب الله:

أولاً: الاصطفاء وتمام النعمة: فقال الله سبحانه وتعالى : {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33]، وأتم نعمته عليه كما يقول ليوسف عليه السلام : {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} [يوسف: 6] .

ثانياً: وصفه الله بأنه نبي صديق: كما قال الله ـ جل وعلا ـ: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [مريم: 41] .

ثالثاً: وصفه الله بالصلاح: فقال سبحانه وتعالى  {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } [البقرة: 130] .

رابعاً: وصفه بأنه أواه حليم منيب: فقال { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [هود: 75] .

خامساً: سليم القلب:  { إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات: 84] .

سادساً: آتاه الله رشده وهو صغير، فضلاً من الله ومنّة، وقال:  {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء: 51] .

سابعاً: رفع الله درجته: فقال:  {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [الأنعام: 83]  .

ثامناً: اتخذه الله خليلا: { وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125]

تاسعاً: أنه وفَّى ما عليه: فقال الله سبحانه وتعالى  {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] .

وأما ما جاء عن النبي ﷺ :

فقد جاء رجل إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقال له: يا خير البرية، فقال صلوات الله وسلامه عليه:" ذاك إبراهيم خليل الله" (1).

وجاء عن النبي ﷺ أن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه (2).

وفي حديث المعراج: لما عُرج بالنبي ﷺ لقى إبراهيم عليه الصلاة والسلام في السماء السابعة مسنداً ظهره إلى البيت المعمور(1).

 

(1) أخرجه مسلم (2369) من حديث أنس رضي الله عنه

(2) أخرجه البخاري (3349)، ومسلم (2860) من حديث ابن عباس رضي الله عنه

(1) أخرجه البخاري (3207)، ومسلم (162)، واللفظ له.

 

فصل - دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه:

بدأ نبي الله إبراهيم دعوته بأبيه، وتلطف معه أعظم التلطف، وهذا مصداق قول الله تبارك وتعالى: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] ، فبدأ بأقرب الناس إليه، وهو أبوه، ولم يذكر الله تبارك وتعالى لنا شيئاً عن أمه، وإنما ذكر لنا أباه، فتلطف في الدعوة مع أبيه كما قال الله تبارك وتعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا } [مريم: 41 - 43] ، ولم يقلْ له: (يا أبت إنك جاهل)، وإنما جاء بعبارة لطيفة، فقال: { جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا } [مريم: 43] ، مع أن أباه كان يعبد الأصنام وينحتها، وهذه طاعة للشيطان، وهذا يُسمى بشرك الطاعة، كما قال الله سبحانه وتعالى : { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس: 60] أي: ألا تطيعوا الشيطان.

ثم قال إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 45] ، نعم ، كلُّ كافر فهو ولي للشيطان، كما قال الله تبارك وتعالى: { إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } [آل عمران: 175] أي: يخوفكم أولياءه، وقال: { فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ } [النساء: 76]

وقال: { إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأعراف: 30] ، وكلمة إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه لأبيه هنا تضمنت ـ كما نرى ـ النصحً، والرفقَ واللينَ، ومحبةَ الخير ، وإقامةَ الحجة على أبيه، لينقذه من عذاب الله تراك وتعالى، ومن ضلال إلى الهدى، هكذا كانت دعوة إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، فكيف كان رد أبيه عليه؟  {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم: 46] ، إبراهيم يقول: (يا أبت.. يا أبت .. يا أبت ..) ، وأبوه يقول:{يَا إِبْرَاهِيمُ } [مريم: 46] ، ولم يقل له (يا بُني) ، قسوة يجدها الكافر في قلبه، حتى كلمة (نبي) لم يقلها لإبراهيم، وإنما ناداه باسمه دلالةً على القسوة التي في قلبه عليه.

ولذلك وصف الله تبارك وتعالى الكفار بأن قلوبهم قاسية: { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } [البقرة: 74] ، {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ } [مريم: 46] ثم زادت القسوة فهدد بالرجم ثم زادت ، فقال: {وَاهْجُرْنِي } [مريم: 46] فطلب الهجر من إبراهيم، ثم أيُّ هجر { وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } [مريم: 46] أي: اهجرني هجراً طويلاً، لا أريد أن أراك، لا أريد أن أسمعك، طلبَ من إبراهيم أن يتركه وآلهته، عندما قال لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه : {سَلَامٌ عَلَيْكَ} [مريم: 47]، وهذا مصداق أمر الله تبارك وتعالى للمؤمنين في تعاملهم مع الجهال، ولذلك قال الله تبارك وتعالى : {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } [الفرقان: 63] .

وقال: { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } [القصص: 55]فطبق نبي الله إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ها الأمر، فقال لأبيه: {سَلَامٌ عَلَيْكَ} [مريم: 47]،  .

ثم قال: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} [مريم: 47] ، وهذا وعد من إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، وقد وفّى صلوات الله وسلامه عليه بهذا الوعد، فقال {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء: 86] ، فوفى إبراهيم، ولكن لما تبيَّن لنبي الله إبراهيم أن أبياه عدوٌ لله تبارك وتعالى تبرَّأ منه، قال الله ـ جل وعلا ـ: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114]، ولما استغفر إبراهيم لأبيه ـ هو على شركه وضلاله وكفره ـ اقتدى المسلمون بإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، فاستغفروا لموتاهم من المشركين، واستغفر النبي ﷺ لعمه أبي طالب، وكان يصلي على بعض المنافقين إذا ماتوا صلوات الله وسلامه عليه، فقال الله تبارك وتعالى: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } [التوبة: 113].

وقد أمر الله تبارك وتعالى المؤمنين بالاقتداء بإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ، فقال: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } [الممتحنة: 4]، ثم استثنى الله تبارك وتعال استغفار إبراهيم لأبيه، فقال: { إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } [الممتحنة: 4] هذه مستثناه، في هذه الآية لا تقتدوا بإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، فمنعهم الله ـ جل وعلا ـ من الاستغفار للمشركين، { وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } [التوبة: 114] إذاً لا تقتدوا به في هذه ، وهي استغفاره للمشركين، لأنه إنما كان عن موعدةٍِ ثم ترك ذلك إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه.

كذلك قال إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه لأبيه: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [الأنعام: 74] ، وقال سبحانه وتعالى :{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 69 - 77] ، وقال:  {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } [الأنبياء: 51 - 53] ، وقال: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: 16، 17] هذا حديث إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه لأبيه يحذره من الشرك الذي وقع فيه.

 

فصل : دعوة إبراهيم عليه السلام لقومه ومناظرته لهم:

المرحلة الثانية من دعوة إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه هي دعوة قومه إلى التوحيد ن فقال ـ جل وعلا ـ في ذكر المناظرة التي جَرَتْ لإبراهيم مع قومه: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [الأنعام: 75 - 79] .

إن موقف إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه من هذه الكواكب وقف مناظرة لا موقف نَظَر، فلم يَشكَّ إبراهيم أبداً بالله ـ جل وعلا ـ، ولا فكر يوماً أن النجم يمكن أن يكون رباً، أو أن القمر يمكن أن يكون  رباً أو أن الشمس يمكن أن تكون رباً أبداً، وإنما هذا على سبيل التنزل في المناظرة مع قومه، وهذا أمر شائع في المناظرات، ولذلك قال بعدها: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ } [الأنعام: 83] ـ إذاً هو أراد أن يقيم علهم الحجة، وما أراد أبداً أن هذا إله من دون الله تبارك وتعالى (1).

وكأن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه قال لقومه: تعالوا فلننظر هذا النجم هل يستحق أن يكون رباً؟ هذا القمر هل يستحق أن يكون رباً؟ هذه الشمس عل تستحق أن تكون رباً؟ أفل النجم، أفل القمر، أفلت الشمس، أفل أي: غاب، ولا ينبغي لرب أن يغيب، والمناظر قد يقول شيئاً وهو لا يعتقده من باب الإلزام، ولذلك سيأتينا قول إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه لقومه لما جاءوا ـ وقد كسّر أصنامهم ـ فقالوا له: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 62، 63] ، فهذا على سبيل المناظرة لا على سبيل الاعتقاد، فهو أراد أن يلزمهم وأن يقيم عليهم الحجة صلوات الله وسلامه عليه.

وفي قوله: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] يحتمل أمرين:

الأول: أن يكون هذا من باب الاستفهام، فكأن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه جلس مع قومه ، فلما رأى النجم قال لهم: (هذا ربي)؟ بإسقاط الهمزة، (أهذا ربي؟) أهذا تزعمون أنه ريٌ؟ فلما غاب طلع القمر، فقال: أهذا بي؟ فلما غاب طلعت الشمس قال: أهذا ربي؟ على وجه التوبيخ والتحقير لرأيهم، كما في قول الله تبارك وتعالى: {أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34] أي: إذا متَّ أنت هم يخلدون؟! أنت تموت وهم ميتون، فهذا يكون على سبيل التوبيخ في الاستفهام، لا على سبيل أنه يعتقد هذا الأمر.

 

(1) لزيادة الفائدة يراجع:" تفسير ابن كثير" (3 / 291).

 

فصل - والدليل على أن إبراهيم لم يشك أمور منها:

أولاً: الاعتقاد بأن النجم ربُ، أو أن القمر ربٌ، أو أن الشمس ربٌ كفر، والأنبياء معصومون مِنْ الكفر، وقد تقدم القول في هذا، وقد أجمعت الأمة على أن الأنبياء معصومون من الكفر، ومن زعم أن نبياً من الأنبياء كفر بالله تبارك وتعالى، فهو الكافر.

ثانياً: إبراهيم أنكر الشرك في البداية: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 74] ، ثم قال: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 77] ، إذاً هو في البداية أنكر عليهم أن يعبدوا غير الله تبارك تعالى، فكيف يشك في هذه المسألة؟

ثالثاً: هذه الآية إنما كانت بعد أن أراه الله تبارك وتعالى ملكوت السماوات والأرض، أي: عظمة خلق الله ـ جلا وعلا ـ، ثم قال {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا } [الأنعام: 76] ، فالذي أراه الله ملكوت السماوات والأرض لا يمكن أبداً أن يشك بأن النجم رب، أو أن القمر رب، أو أن الشمس رب.

رابعاً: قوله تعالى في آخر هذه الآيات : {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} [الأنعام: 83] ، دّلّ على أنه أراد أن يقيم عليهم الحجة، لا أنه اعتقد ذلك صلوات الله وسلامه عليه.

خامساً: نفى الله الشرك عن أبيه فيس كثير من الآيات ، فقال: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161] ، { وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] في آيات كثيرة، وهذا يُسمى بنفي الكون، أي: لم يكن ، ولن يكون أبداً من المشركين، فلم يكن إبراهيم يوماً من المشركين، وهذا نصّ من الله تبارك وتعالى إذ يستغرق جميع الزمن الذي عاش فيه إبراهيم عليه السلام .

 

فصل - هل وقع الكذب من إبراهيم عليه السلام :

قال الله تبارك وتعالى: { إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ} [الشعراء: 70] ، وهنا في قول الله تبارك وتعالى: {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات: 86 - 93] ،وهنا في قول الله تبارك وتعالى : {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ } [الصافات: 88] وذلك أن قومه أرادوا أن يخرجوا إلى عيدهم ـ كما ذكر أهل السير والتاريخ ـ وطلبوا من إبراهيم أن يخرج معهم، فقال {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] ، نظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم.

ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن الأنبياء صادقون في كل ما أخبروا به عن الله سبحانه وتعالى ، وأن من كَذَّبّ نبياً في خبر فهو كافر بالله تبارك وتعالى، فهل كان لإبراهيم سقيماً، أي: مريضاً؟ وهل يجوز أن ينسب إليه الكذب صلوات الله وسلامه عليه؟

قال رسول الله ﷺ كما في الحديث الصحيح :" لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قي قوله {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] ، وفي قوله: { بَلْ َعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] ، وفي قوله: عن زوجته عدن الملك الظالم: إنها أختي" (1).

هذه ثلاث كذبات تنسب إلى نبي الله إبراهيم صلوات اللهو سلامه عليه، بل قد جاء في الحديث الصحيح ـ حديث الشفاعة ـ أن الناس يذهبون إلى إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه فيقولون له: أنت خليل الله، اشفع لنا عند ربك، فيقول صلوات الله وسلامه عليه:" إني قد كنت كذبت ثلاث كذبات" (2)، فهل يجوز أن يُنْسَي لإبراهيم الكذب أولاً؟

النبي ﷺ الذي هو من أعظم الناس تعظيماً لإبراهيم صلوات الله

وسلامه عليه قال: " نحن أولى بالشك من إبراهيم" (3)، فنزهه، وكثيراً ما كان يفتخر بنسبته إلى إبراهيم، بل إن الله كثيراً ما كان يقول له {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } [النساء: 125] ، وإبراهيم نسب هذا إلى نفسه، وقال: " كذبت ثلاث كذبات" وجاء عن النبي أنه قال:" كذب في ذات الله" (4)، فكيف يُحمل هذا الكذب؟

 

(1) أخرجه البخاري (3358)، ومسلم (2371) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

(2) تقدم تخريجه ( 55 .

(3) أخرجه البخاري (3372)، ومسلم (151) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

(4) تقدم تخريجه قريباً ، وهو في الصحيحين.

 

فصل - أجاب أهل العلم بعدة أجوبة:

الجواب الأول: أن هذه الكذبات الثلاث إنما كانت قبل النبوة، ونهيه لهم عن عبادة الأصنام، وقوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] إنما كان من باب الفطرة، أي: إن فطرة إبراهيم دفعته لهذا، ولذلك لما كان يبعثه أبوه ليبيع الأصنام يقول:" من ذا الذي يشتري ما يضر ولا ينفع"، وكان ينكر على قومه عبادة الأصنام، كلَّ ذلك قبل النبوة، ولذا يأتينا عندما يكسر إبراهيم الأصنام يقول قومه: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 60] .

إذاَ هو غير معروف، هو فتى، أي: صغير، يقال له : إبراهيم، ولو كان قد بعث إليهم ما كانوا يقولون: { فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 60].

وكذا الأمر بالنسبة لقوله: { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] لأنها في قصة واحدة، وكذا في ذهابه إلى ذلك الملك، قالوا كذلك يكون قبل بعثته صلوات الله وسلامه عليه.

والجواب الثاني: إنما قال هذا من باب التورية، خاصةً عندما قال: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] إذ لا يلزم أن يكون يريد المرض الذي هو علة في الجسد، وإنما هو سقيم كما قال النبي ﷺ : " إن الميت ليعذب ببكاء

أهله (1) أي : العذاب النفسي، يتعذب لأجلهم ، لأجل ما يرى ما هم عليه من الضلال، وكذلك يقول: إني سقيم مما أراه منكم من ضلال، سقيم مما أراه منكم من باطل، ومن كفر بالله، وعبادة للأصنام التي لا تضر ولا تنفع، بل تضر ولا تنفع فيكون هذا من باب التورية لا من باب الكذب.

وكذا قوله: { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]  إنما قاله لهم من باب الاستهزاء والتحقير لهم، ولذلك قال بعدها: {فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63] اسألوهم، مَنْ كسرها؟ اسألوا هذا الكبير هل هو الذي كسرها أو لا؟

وأما قوله لزوجته إنها أخته، فإن هذا على سبيل دفع أعظم المفسدتين، وذلك أنهم ذكروا أن ذلك الملك إذا عرف أن لها زوجاً قتله، وأخذها لنفسه، فلذلك دفع إبراهيم أعظم المفسدتين بأخفهما، فكذب وقال: هي أختي، لينجو من القتل، وتنجو هي من الاغتصاب، وهذا عين العقل، وهذا هو الواجب في الشرع أن الإنسان إذا اعترضته مفسدتان ـ ولا بد من الوقوع في إحداهما ـ فإنه يقدم أخفَّ المفسدتين.

ولذلك ولو أن مظلوماً خلفه من يريد أن يقتله أو يؤذيه، ثم جاء واختبأ عند شخص ، ثم سئل أين فلان؟ فقال له: والله لولا أم الكذب حرام لقلت أنه غير موجود، هو في الداخل، فهو آثم ومجرم بفعله هذا لأنه عرض للقتل بجهله، بل إن الكذب هنا واجب.

فالقصد أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه إنما قال هذا من باب دفع أعظم المفسدتين (1).

ولذلك لما دعا إبراهيم قومه إلى عبادة الله تبارك وتعالى لم يقل له قومه إنك تكذب وما اتهموه بالكذب، لأنهم ما فهموا أبداً أن في قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]  وأن في قوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] أنه كذب، بل فهموا أنه أراد إلزامهم بالحجة صلوات الله وسلامه عليه.

ثم كذلك ليس فيه أنه خاطبهم بهذا، فقال لهم : {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، بل قالها في نفسه: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]  ، أي: مما أراه من ضلال قومي.

 

(1) أخرجه البخاري (1288) ، ومسلم (928) .

(1) قال ابن القيم رحمه الله :" إذا تأملت شرائع دينه سبحانه التي وضعها بين عباده ، وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان وإن تزاحمت قدم أهمُّها وأجلُّها، وإن فاتت أدناهما، وتعطيل المفاسد الخالصة أ والراجحة بحسب الإمكان وإن تزاحمت عطل أعظمها فساداً باحتمال أدناهما". " مفتاح دار السعادة". (2 / 362) .

 

فصل - هدم الأصنام من سنن الأنبياء والمرسلين:

خرج قوم إبراهيم عليه السلام إلى عبيدهم، وإبراهيم فيه حرقة على ما يفعله قومه، قال الله تبارك وتعالى: {فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ} [الصافات: 91] أي: مسرعاً متخفياً، فدخل على الآلهة، فوجدها في بهو عظيم، ومكان متسع، وقد وُضع لها الطعام، فدخل عليها،ـ ووجد الطعام كما هو لم يتغير، فقال لهم: ألا تأكلون؟

وهذا يفعله بعض الجهال الآن يذهبون إلى المقابر ويضعون الطعام والشراب عند قبر الميت ليشاركهم في الطعام، هؤلاء يقال لهم كما قال إبراهيم لهذه الأصنام: { أَلَا تَأْكُلُونَ} [الصافات: 91] ، فجاء إلى هذه الأصنام، فقال: ألا تأكلون؟ كلوا، وُضع الطعام لأجلكم، { أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ } [الصافات: 91، 92] قولوا: لا نريد ، قولوا: لا نأكل، قولوا: لا نجوع، قولوا: نحن آلهة. {مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ } [الصافات: 92] عبّروا عن رأيكم مالكم لا تنطقون؟ {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ } [الصافات: 93] ، أي: كسّرها صلوات الله وسلامه عليه، فأقبلوا إليه يزفون فواجههم، وقال: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ} [الصافات: 95 - 98] .

ويقول سبحانه وتعالى  {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 69 - 77]  . وقولهم { بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا} [الشعراء: 74] هذه يسمونها حيدة، أي: حادوا عن الجواب، وهو ما قال لهم: هل كان يعبدها آباؤكم أو لا؟ إنما قال لهم: { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء: 72، 73] المفروض أن يكون الجواب بنعم أو لا، لكن قالوا: {بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 74].

وهذا إقرار واعتراف منهم أنها لا تنفع ، ولا تضر، ولا تسمع، ولذلك يقول الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ } [الأنبياء: 51 - 55] كأنهم في كلامهم محبون للحق وأنهم يتبعونه، {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57)} [الأنبياء: 55 - 57] إذا هددهم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيكيد هذه الأصنام ، يقول الله تبارك وتعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} [الأنبياء: 58] أي: حطمهم {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 58] .

وهذا فيه إشارة إلى غيرة الكبير المتعال سبحانه وتعالى الذي لا يرضى أن يَعْيُد أحد غيره سبحانه وتعالى، فإبراهيم كسر جميع الأصنام إلا كبيرهم لعلهم إله يرجعون، كأن يقول لهم: كما أن هذا الكبير غارَ مِنْ هذه الأصنام أن تعبد، فالله يغار أن يعبد غيره سبحانه وتعالى .

وهنا في قوله {وَتَاللَّهِ} [الأنبياء: 57] هذه حلف، تقول: والله، بالله، تالله، آلله، هذه كلها أقسام ، يقسم صلوات الله وسلامه عليه {لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} [الأنبياء: 57] .

وهنا قال بعض أهل العلم : إنما قال هذا إبراهيم في نفسه يعني ما قالها لهم، كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام لإخوته لما قالوا: { قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا } [يوسف: 77]  هذه لما قالها ما سمعوها، وإنما قالها في نفسه أنتم شرٌّ مكاناً، وكذلك إبراهيم هنا قال: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} [الأنبياء: 57]  يُحَدِّث نفسه، فإذاً إما أن يكون قالها في نفسه صلوات الله وسلامه عليه، وإما أنه أسمعهم، ولذلك سيأتينا قول الله تبارك وتعالى عنهم أنهم قالوا: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 60] أي : هدد بكسر هذه الأصنام.

فلما رجعوا ووجدوا آلهتهم مكسرة محطمة جذاذاً كما أراد إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ، { قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء: 59 - 61]  {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ } [الأنبياء: 60] أي: يذكرهم بالعيب والنقص، ينتقص هذه الأصنام، هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أ ويضرون، ينتقص هذه الأصنام {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء: 61] ، وهذا الذي يريده إبراهيم، يريد أن يتكلم على أعين الناس، ولذلك لما جاء موسى لفرعون {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} [طه: 59]، يوم  العيد، {وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} [طه: 59] حتى يرى الناس .

وكذا غلام الأخدود عندما أراد الملك قتله ولم يستطع، قال له غلام الأخدود إذا أردت قتلي فافعل ما آمرك ، اجمع الناس ثم افعل كذا وكذا (1) ، فهو يريد هذا الأمر صلوات الله وسلامه عليه، وهو أن يُحضروه على أعين الناس حتى يقيم الحجة على الجميع صلوات الله وسلامه عليه.

فلما جمعوا الناس قالوا له أمام الناس : { أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 62، 63] ، وأشار إلى الصنم الكبير {فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63] ، وإن كانت لكم عقول تعقلون ما تقولون، فاسألوهم إن كانوا ينطقون، يقول الله تبارك وتعالى : {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ } [الأنبياء: 64] ، كلامه صحيح، { أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ } [الأنبياء: 64] ، لماذا تركتم الآلهة بدون حراسة، وتركتم إبراهيم يكسرها، { أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ } [الأنبياء: 64] تستحقون ما أصابكم ، وهذا ما أراده إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، بأنهم كما اعترفوا أمامه {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ } [الأنبياء: 65]أرادهم أن يعترفوا أمام الناس مرة ثانية أن هذه الآلهة لا تنطق، فقامت علهم الحجة.

ومن هذا أخذ أهل العلم في قول إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء: 72، 73] ، وقوله: {فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63]   أن الله تبارك وتعالى يوصف بالسمع والكلام سبحانه وتعالى ، لأن إبراهيم عاب على الآلهة أنها لا تتكلم، لا ينطقون، فعيب في الإله ألا يتكلم ، ويوصف بالكلام من آيات أخرى كذلك ، ولكن عيب في الإله ألا يكون فيه هذا أو ذاك ، قال إبراهيم: {أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّ

مقالات ذات صلة :