• 8 نيسان 2017
  • 3,503

سلسلة من نحب - الله تعالى – (10) - الحفيظ، الحافظ :

قال الله تعالى: {إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [هود: 57]، وقال تعالى: {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [سبأ: 21]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} [الشورى: 6]، وقال تعالى: {فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 64]، وقال تعالى: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء: 82]، وقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

وهذان الاسمان العظيمان دالان على أن الله سبحانه موصوف بالحفظ، وهذا الوصف يتناول أمرين:

الأول: الحفظ بعلمه جميع المعلومات؛ فلا يغيب عنه شيء منها، وفي مقابل ذلك النسيان، وقد نزَّه الله نفسه عنه لكمال علمه وحفظه، قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64]، وقال تعالى: {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى} [طه: 52]، وقال تعالى: {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} [المجادلة: 6].

فهو تبارك وتعالى يحفظ على الخلق أعمالهم، ويحصي عليهم أقوالهم، ويعلم نياتهم وما تكن صدورهم، ولا تغيب عنه غائبة ولا تخفى عليه خافية، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، قال تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} [القمر: 52-53].

ووكل سبحانه ملائكة كراماً كاتبين يحفظون على العباد أعمالهم، قال تعالى: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4]، وقال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَاماً كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10-12].

وهذا المعنى من حفظه سبحانه يقتضي إحاطة علمه بأحوال العباد كلها؛ ظاهرها وباطنها، سرّها وعلنها، وكتابتها في اللوح المحفوظ وفي الصحف التي في أيدي الملائكة، وعلمه بمقاديرها وكمالها ونقصها ومقادير جزائها في الثواب والعقاب، ثم مجازاتهم عليها بفضله وعدله.

الثاني: أنه تعالى الحافظ للمخلوقات من سماء وأرض وما فيهما، لتبقى مدة بقائها، فلا تزول ولا تَدْثُر ولا تميد ولا يسقط شيء على شيء، ولا يثقله ولا يعجزه شيء من ذلك، كما قال تعالى: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255]، يحفظ سبحانه السماء أن تقع على الأرض، قال تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [الحج: 65]، وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا ۖ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 32]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا} [فاطر: 41].

وتكفَّل سبحانه بحفظ كتابه العزيز، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، فلا يطوله تحريف، ولا يلحقه تبديل، ولا يغيّر فيه حرف، ومع تطاول الأيام وامتداد الزمان بقي القرآن كما هو، وبقيت آياته كما أنزلها الله على نبيه ﷺ ، وسيظلّ محفوظاً بحفظ الله عز وجل.

ومن معاني هذا الاسم أنه سبحانه الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون وحفظه لهم نوعان عام وخاص.

فالعام: حفظه لهم بتيسيره لهم الطعام والشراب والهواء، وهدايتهم إلى مصالحهم، وإلى ما قدر لهم وقضى لهم من ضرورات وحاجات وهي الهداية العامة التي قال عنها سبحانه: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50]، وحفظهم بدفع أصناف المكاره والمضارّ والشرور عنهم، وهذا الحفظ يشترك فيه البرّ والفاجر، بل الحيوانات وغيرها، وقد وَكل ببني آدم ملائكة يحفظونهم بأمر الله، كما قال سبحانه: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11]، أي: يدفعون عنه بأمر الله كلّ ما يضره مما هو بصدد أن يضره لولا حفظ الله.

والخاص: حفظه لأوليائه - إضافة إلى ما تقدّم - بحفظ إيمانهم من الشبه المضلة والفتن الجارفة والشهوات المهلكة، فيعافيهم منها، ويحفظهم من أعدائهم من الجن والإنس فينصرهم عليهم ويدفع عنهم كيد الأعداء ومكرهم، كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج: 38]، وعلى حسب ما عند العبد من الإيمان تكون مدافعة الله عنه.

ولهذا قال النبي ﷺ كما في وصيته لابن عباس رضي الله عنهما: "احفظ الله يحفظك". رواه أحمد والترمذي(1)، أي: احفظ أوامره بالامتثال، ونواهيه بالاجتناب، وحدوده بعدم تعديها، يحفظك في نفسك ودينك ومالك وولدك وفي جميع ما آتاك الله من فضله.

وقد مدح الله عباده الذين يحفظون حقوقه وحدوده فقال: {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112]، وقال: {هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق: 32-33]، ويدخل في هذا حفظ التوحيد من نواقضه ونواقصه؛ إذ هو أعظم ما ينبغي أن يحفظ ويصان، وحفظ شعائر الإسلام ولا سيما الصلاة {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، وحفظ السمع والبصر والفؤاد {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]، وحفظ الفروج {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون: 5-7]، إلى غير ذلك ممّا أمر الله عباده بحفظه، وجعل ثوابهم على ذلك حفظه لهم ودفاعه عنهم ووقايتهم من كل ضر وبلاء.

ولا حافظ للعبد في دينه ودنياه وفي أي أمر من أموره إلا الله {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 64].

وكم هو جميل بالعبد مع حفظه لما أمره الله بحفظه أن يتوجَّه إلى الله بالدعاء أن يعافيه في دينه ودنياه وأن يحفظه من كلّ شرّ وبلاء، وفي "المسند"(2) وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: اللهمّ إنّي أسألك العافية في الدّنيا والآخرة، اللهمّ إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهمّ استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهمّ احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي".

 

(1) "مسند الإمام أحمد" (1/ 293)، و"جامع الترمذي" (رقم: 2516) وغيرهما. وقال الترمذي: حسن صحيح.

(2) (2/ 25) وإسناده صحيح.

مقالات ذات صلة :