• 9 نيسان 2017
  • 3,058

سلسلة من نحب - الصالحين – (7) - سيدنا الإمام الترمذي رضي الله عنه :

فصل – الترمذي :

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين نبينا وإمامنا وحبيبنا ومولانا محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين أما بعد.

ما زلنا في كلامنا عن أئمة علم الحديث ونتكلم في هذه الليلة عن الإمام السادس من هؤلاء الأئمة ألا وهو الإمام الترمذي.

 

فصل – نشأته :

هو محمد بن عيسى بن سورة الترمذي السلمى، وقيل إنه من أصول عربية وقيل إنه من الموالي، يعني ليس عربياً صليبا.

وُلِدَ الإمام الترمذي سنة تسع ومائتين من الهجرة فهو إذن من القرن الثالث الذي نص النبي ﷺ على فضيلته، فقال صلوات الله وسلامه عليه: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".

الإمام الترمذي إمام جهبذ، عالم، جليل، من الحفاظ النادرين - رحمه الله تبارك وتعالى - وكانت له كما كانت لغيره رحلة في طلب الحديث والسفر في تحصيله، فرحل - رحمه الله تبارك وتعالى - كثيراً. رحل إلى خراسان، وبغداد، والبصرة، والكوفة، ومكة، والمدينة، ورحل إلى الري، ثم بخارى، ونيسابور، ولزم الإمام البخاري في بخارَى لزمه طويلاً، وتتلمذ على يديه، ونقل عنه كثيراً في كتابه "الجامع".

 

فصل – علم الإمام الترمذي :

اشتهر الإمام الترمذي بقوة حافظته، وذكر قصة قد وقعت له - رحمه الله تبارك وتعالى - يقول: "كنت في طريق مكة فكتبت جزئين عن بعض الشيوخ، ثم جئت أعرض عليه" وكانت هذه عادتهم، إذا قرأوا على شيخ يعرضون عليه، يعني هل ما كتبته عنك صحيح، أو فيه خطأ، أو فيه كذا، هذا يسمى العرض على المشايخ، فيقول: "فجئت أعرض عليه ثم فوجئت بأني نسيت الكتاب"، يعني  الكتاب الذي كتبته عنه أنسيته في البيت، "فاستحييت من الشيخ أن أقول أنسيته فبدأت أعرض عليه ما حدثنا بالأمس ولكن من حفظي فعرضت عليه وهو يسمع والكتاب بيدي" ولكن معي ايش؟ يقول : كتاب أبيض، أوراق بيضاء، ليس معي شيء، وإنما ما أعرفه من حفظي.

يقول: "فانتبه فرأي بياضاً فغضب"، فقال: "ما هذا؟ تظهر لي أنك تعرض وليس معك شيء؟"، فأخبرته بالحق، قلت أني أنسيت، يعني الأوراق، وأنا أحفظ حديثك الذي حدثتنا بالأمس، قال: "استظهرته"، يعني جلست البارحة طول الوقت تحفظ هذا الحديث ثم جئتني تقول حفظت حديثك من الأمس، قلت: "لا، بل حفظته من الأمس"، يعني بأول ما حدثتنا حفظته. قال: "لا، بل استظهرته"، قلت له: "فحدثني غيرها الآن"، قال: "نعم، أحدثك أربعين حديثاً غريباً"، يقصد بغريب يعني غير منتشرة بين الناس حتى تكون حافظها من السابق، قال: "أحدثك بأربعين حديثاً غريباً"، قال: "نعم، افعل إن شئت"، فحدثه بأربعين حديثاً بإسناد جديد ومتن جديد والترمذي يسمع، فلما قضى الرجل حديثه قال الترمذي: "أعيدها عليك؟"، قال: "نعم، أعدها"، قال: "فأعدتها عليه ما خرمت منها حرفا لا في إسناد ولا متن فلما قضيت قال: ما ظننت أنه يوجد في هذه الدنيا من يحفظ مثلك"،  يقول هذا الرجل للإمام الترمذي - رحم الله تبارك وتعالى الجميع -.

درس الإمام الترمذي على كثير من المشايخ وطلب العلم عليهم منهم: قتيبة بن سعيد، وعلى بن حجر، وإسحاق بن راهوية، والبخاري، وقد تفقه على يديه وأخذ علم العلل منه، ولازمه كثيرا، حتى إنه لا يكاد يخلو باب من أبواب جامعه إلا وفيه: "وسألت محمد بن إٍسماعيل عن هذا الحديث فقال لي كذا"، فكان كثيراً ما يسأل شيخه البخاري - رحمهما الله تبارك وتعالى - عن كثير من الأحاديث فيجيبه عليها.

وأما تلاميذه فعبد بن حمير، وأبو العباس المحبوبي، وغيرهما، وقد أكرمه شيخه كما كان في عادة الشيوخ في ذلك الوقت، أكرمه شيخه البخاري فروى عنه حديثاً، وهذه كما قلنا من عادة الشيوخ في طلابهم النبهاء فإنهم يحدثون عنهم حديثاً ليصلح أن يقال له: "تتلمذ عليه"، ويقال للتلميذ: "صار شيخاً لفلان"، وكانوا يفرحون بذلك في ذلك الزمان.

أثنى العلماء كثيراً على الإمام الترمذي - رحمه الله تبارك وتعالى - فهذا السمعاني يقول عن الترمذي: "إمام عصره بلا منازع، أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث". وقال أبو عبد الله الحاكم صاحب "المستدرك": "سمعت عمر بن علك يقول: مات البخاري فلم يترك لخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد"، وقال الإمام ابن كثير - رحمه الله تعالى - عن الترمذي: "أحد أئمة هذا الشأن في زمنه"، هذا هو ا لإمام الترمذي وكان ذا ورع وكان بكاءاً، وقيل إنه عمى من كثرة البكاء - رحمه الله تبارك وتعالى -.

الترمذي - رحمه الله تعالى - كسائر علماء زمانه اهتم بالتأليف فجمع "الجامع العظيم"، وهو جامع الترمذي وهو من أعظم كتب الإسلام وأكثرها نفعاً وفائدة وسيأتي كلام مفصل على هذا الكتاب، وله كتاب "العلل الصغير" وهو تابع للجامع، لجامعه، وله كتاب "العلل الكبير"، وجل هذا الكتاب استفاده من شيخه البخاري، ومن شيخه أبي زرعة، ومن شيخه الدارمي، ناظرهم واستفاد منهم كثيراً في إخراج هذه الكتب، كالبخاري - رحمه الله تعالى - في العلل بالذات، وكذلك أبي زرعة، والدارمي وغيرهم من أهل العلم ولكن هؤلاء الثلاثة استفاد منهم كثيراً في علم العلل.

له كتاب "الشمائل المحمدية"، وهو كتاب مطبوع مشهور للإمام الترمذي، وله كتاب في الزهد، وله كتاب في الجرح والتعديل ولكنه غير موجود، المهم أن أكثر كتب الترمذي - رحمه الله تعالى - إنما كانت في علم الحديث ورجاله، وله طريق كتاب في التاريخ كذلك، تاريخ الرجال، فهذه كتب الترمذي وما تركه من علم - رحمه الله تعالى -.

هناك ترمذي آخر، وآخر، ثلاثة اشتهروا ب"الترمذي"، وكلهم تقريباً كانوا في زمن واحد، أشهرهم طبعاً اللي هو الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي الإمام، ولكن هناك ترمذي آخر يلبّس به بعض أهل البدع، فيأتون بكلامه فيظن الظان أن هذا هو الترمذي الإمام، وهو يقال له: الحكيم الترمذي، وهذا الحكيم الترمذي له كتاب اسمه "ختم الولاية"، وهذا الكتاب يدعى فيه الحكيم الترمذي أن الولاية خُتمت كما أن النبوة خُتمت، وأن بعض الأولياء أفضل من بعض الأنبياء وغير ذلك من الأمور الشنيعة، والبعض ينقل من كتب هذا عنده كتاب "نوادر الأصول"، وله كتاب "ختم الولاية"، البعض ينقل من هذا الرجل ومن كتبه ثم يقول: قال الترمذي ويسكت، فيظن الظان عندما يسمع مثل هذا الكلام أن هذا القول للإمام الترمذي الذي هو المُحدِّث الكبير المعروف، والصحيح أنه لترمذي آخر لأن ترمذي نسبة إلى مدينة "ترمذ"، فكل من كان فيه هذه المدينة يقال له: ترمذي، فلذلك قد يشتبه على البعض كلام الإمام الترمذي - رحمه الله تعالى - الذي هو صاحب الجامع وبين كلام حكيم الترمذي صاحب "نوادر الأصول"، وصاحب كتاب "ختم الولاية".

وأخيراً توفي الإمام الترمذي - رحمه الله تعالى - سنة تسع وسبعين ومائتين عن تاريخ حافل بالعلم والرحلة ومدارسة العلم والعبادة والتقوى التي وصل بها - رحمه الله تعالى ورحم الحاضرين والحاضرات -.

 

فصل – كتاب جامع الترمذي :

أما جامع الترمذي، جامع الترمذي هو أحد الكتب الستة كما قلنا، وترتيبه الرابع بعد البخاري ومسلم وأبي داود، وبعضهم يقدم النسائي عليه، ولكن الأكثر على تقديم الترمذي على النسائي، وجامع الترمذي كما قال أهل العلم جمع علوماً شتى، الترمذي في جامعه جمع علوماً شتى، علوماً كثيرة في كتابه هذا.

فمن هذه العلوم طبعاً الحديث الذي هو الأصل، الذي بُني عليه هذا الكتاب اللي هو أحاديث النبي ﷺ .

الثاني: علم الفقه، من خلال ترتيب الكتاب، من خلال تبويب أبواب الكتاب، من خلال تعليقات الترمذي - رحمه الله تبارك تعالى - بعض المسائل الفقهية، أو نقل أقوال العلماء، فهو فقه أيضاً كما هو كتاب حديث.

الثالث: هو كتاب جرح وتعديل، فيه فوائد كثيرة في الجرح والتعديل، فيذكر بعض الرجال ويقول هذا فلان ضعيف، وفلان ثقة، وفلان ضعفه فلان، وفلان تكلم فيه فلان، وهكذا، وأحياناً تعريف في بعض الرجال المبهمين أو المهملين فيقول فلان هو فلان بن فلان وكذا، فينبه على بعض الرجال، هذا علم.

وهو كذلك علم في الأسماء والكنى، فإذا ذكر كنية قال صاحب الكنية مثلاً أبو الدرداء  مثلاً قل هو عمير بن عجلان مثلاً، وهكذا، أبو موسى هو عبد الله بن قيس، فينبه على  أصحاب هذه الكنى، وأحياناً يذكر الاسم ويقول وهذا الاسم كنيته أبو فلان أو ما شابه ذلك فينبه على الأسماء والكنى.

وينبه كذلك على مَن أدرك النبي ومَن لم يدرك من الرواة؛ فإذا روى حديثاً قال: وفلان لم يدرك النبي، فلان أدرك النبي ﷺ.

ويتكلم كذلك في كتابه على قضية طُرُق الحديث، فبعد أن يذكر الحديث (وهذه اشتُهر بها الترمذي بل تميز بها عن كل أحد في كتابه)، بعد أن يذكر الحديث يقول: وفي الباب عن أبي هريرة وعلى وعائشة وفاطمة مثلاً وأبي بكر وهكذا، أو عن أبي سعيد، وفي الباب عن أنس والمسور وعن أبي موسى وهكذا. فبعد أن يذكر الحديث يذكر الأحاديث التي في الباب لكن لا يذكرها كاملة، ولا يذكرها أصلاً ولكن يذكر الصحابة الذين رُوي عنهم هذا الحديث فهذا علم أيضاً.

ومن العلوم كذلك أنه ينقل أقوال التابعين وأتباع التابعين والصحابة في شرح حديث أو الكلام في رجال أو كذا، يذكر أقوالهم ك"معلقات البخاري"، ولكنه يتميز عن "معلقات البخاري" أن هذه الأقوال التي ينقلها كلها مسندة عنده، وذكر أسانيدها في كتابه العلل، الذي هو خاتمة كتابه الجامع، في آخر كتاب الجامع أتى بكتاب العلل الذي هو يذكر فيه أسانيده إلى هؤلاء الذين ينقل عنهم في الجرح والتعديل، أو في فهم الحديث، أو في مسائل فقهية وما شابه ذلك.

وكذلك هذا الكتاب، أعني كتاب الجامع للإمام الترمذي - رحمه الله تبارك وتعالى - ليس يعني كتاب حديث فقط، يعني لم يهتم فقط في الفقه، ولذلك الصحيح ألا يقال له "سنن الترمذي"، ولكن يقال له "جامع الترمذي"، وقد ذكرنا الفرق بين السنن والجامع وقلنا كتب السنن؛ كسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني مثلاً وغيرها، هذه السنن تهتم فقط في الأحاديث الفقهية، من الطهارة إلى العتق مثلاً ، أما الجوامع كجامع البخاري، وجامع مسلم، وجامع الترمذي، هذه تتوسع فتذكر أحاديث في الرقاق وفي الزهد وفي البر والصلة وتذكر أحاديث في الفضائل، فضائل الصحابة مثلاً، فضائل الأنبياء، قصص الأنبياء، في التفسير، فتتوسع في هذه القضية، تتعدى قضية الأبواب الفقهية إلى غيرها، وهذا مما صنعه الإمام الترمذي في جامعه - رحمه الله تبارك وتعالى -.

كذلك من العلم الذي في هذا الحديث أنه يذكر علل الأحاديث، يعللها، وكذلك من العلم الذي يوجد في هذا الجامع "التصحيح والتحسين والتضعيف"، يعني غالباً ما يتكلم عن الأحاديث بعد أن ؟؟؟ يقول هذا حديث صحيح، وهذا حديث حسن، وهذا حديث ضعيف، وهذا حديث صحيح حسن، لا يكاد يترك حديثاً إلا ويتكلم عليه - رحمه الله تبارك وتعالى -.

إذن كل هذه العلوم توجد في هذا الكتاب ولذلك قدمه بعض أهل العلم  على غيره من الكتب يقول: المنافع فيه كثيرة جداً، تنتفع بهذا الكتاب كثيراً، ولذا قال الإمام الترمذي - رحمه الله تعالى - عن كتابه هذا: "عرضته على علماء الحجاز فأجازوه ورضوا به، وعرضته على علماء العراق فأجازوه ورضوا به، وعرضته على علماء خراسان فأجازوه ورضوا به، ومن كان عنده هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي ينطق"، يقول هذا الكتاب الذي عنده كأنما في بيته نبي ينطق، ولكل أحاديث النبي ﷺ جمع الأهم منها فيما يرى - رحمه الله تبارك وتعالى -.

قال ابن الأثير عنه، عن هذا الكتاب: "أحسن الكتب وأكثرها فائدة وأحسنها ترتيباً وأقلها تكراراً وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع الحديث من الحسن والغريب وفيه جرح وتعديل وفي آخره كتاب العلل"، يقول فيه خير عظيم، هذا الكتاب الذي هو جامع الترمذي - رحمه الله تبارك وتعالى -.

وللترمذي لكتابه هذا شروح كثيرة من أهمها "عارضة الأحوذي" لابن العربي المالكي - رحمه الله تعالى - أبو بكر صاحب التفسير المشهور "أحكام القرءان"، وهو غير محي الدين الطائي العربي الملحد، هذا غيره، هذا إمام من أئمة المسلمين ،من علماء المالكية، وكذلك هناك "تحفة الاحوذي" وهو أفضل الشروح للمبارك خوري على جامع الترمذي - رحمه الله تعالى -، وهناك كذلك "النفح الشذى" لابن سيد الناس وكذلك "العرف الشذى" للبلقيني. وهناك شروح أخرى لم تكتمل للعراقي وابن حجر وغيرهما، وابن رجب على الترمذي  - رحمه الله تعالى – لكن لم تكتمل ولم تنتشر بين الناس، فهذه بعض الاهتمامات بكتاب الترمذي  - رحمه الله تعالى -.

عدد أحاديث جامع الترمذي خمس وستون وتسعمائة وثلاثة آلاف، يعني قريب من أربعة آلاف الأحاديث التي جمعها الترمذي في جامعه. اشتهر عن الترمذي مقولة وهي قوله: "حسن صحيح"، اشتهرت عن الترمذي، كان غيره يقولها نقلت عن ابن المديني أنه قال في حديث حسن صحيح وغيره ولكن الذي شهرها ونشرها هو الإمام الترمذي لأنه أكثر من استخدامها، أكثر من استخدام كلمة "حديث حسن صحيح".

فحار كثير من الناس في فهم هذه الكلمة، ما معنى قول الترمذي "حديث حسن صحيح"؟ فقال البعض: حسن صحيح يريد بها أنه حسن الإسناد صحيح المتن، حسن الإسناد صحيح المتن، وبعضهم قال: لا العكس، صحيح الإٍسناد حسن المعنى، يعني معناه حسن، يعني الحسن على المعنى، معناه حسن وإٍسناده صحيح، بعضهم قال: لا، هو يريد حسن بهذا الإسناد صحيح بإسناد آخر يعني له أكثر من إٍسناد في هذا الإسناد ، يعني اذا نُظر إليه لوحده فهو حسن، اذا نُظر اليه مع غيره فهو يرتقى إلى الصحيح لغيره.

هذه نبذة مختصرة عن الإمام الترمذي - رحمه الله تعالى - وجامعه الذي هو جامع الترمذي والبعض يسميه "الجامع الصحيح"، والبعض يسميه "جامع الترمذي"، والبعض يسميه "سنن الترمذي". والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

مقالات ذات صلة :