• 10 نيسان 2017
  • 3,261

سلسلة من نحب - الرسل والأنبياء - (9) سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام :

 

المقدمة :

قصة يوسف ذكرها الله تبارك وتعالى مفصلة في سورة طويلة سميت باسمه، وقال بعض أهل العلم: قراءتُها تغني عن تفسيرها، والذي يقرأ سورة يوسف يفهمها تماماً، وما تحتاج إلى تفسير، لكن التفسير يأتي بذكر الفوائد وبعض النكت وبعض الأشياء التي تحتاج إلى توضيح زائد، وأما جملة القصة، فإنها واضحة لكل أحد، ولذلك يلتذُّ الجميع بقراءة هذه السورة، فناسب أن يكون كلامنا عن هذه السورة مفصلاً حتى نستخرج منها الفوائد والعبر.

وقد اشتملت قصة يوسف صلوات الله وسلامه عليه على الجليل من الأحكام والحكم والآداب، وفيها كذلك من مكر النساء وكيدهنَّ وكيد الرجال كذلك، وفيها من تدبير الخطط وحسن العاقبة، وصبر الأنبياء، وبيان أن الحذر لا يُنْجِي من القدر، وكذلك أمور أخرى كثيرة سنجدها واضحة جلية عند قراءتنا لهذه القصة العجيبة.

 

فصل - التعريف بيوسف عليه السلام:

سُئِلَ رسول الله ﷺ عن يوسف فقال: "هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم"(1)، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} [آل عمران: 34]، نعمت الذرية والله، ويوسف عليه الصلاة والسلام كما أخبر النبي صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" أعطاه الله شطر الحسن(2)، شطر الجمال لا يمكن لأحد منا أن يتصور هذا الجمال، ويكفينا أن نعرف أن النساء لما دخل عليهنَّ يوسف قطَّعْنَ أيديهن، وهنَّ يرينه منبهرات بجماله صلوات الله وسلامه عليه، بل قلنَ: {ما هـذا بَشَرًا إِن هـذا إِلّا مَلَكٌ كَريمٌ} [يوسف: 31] لجماله صلوات الله وسلامه عليه، أعطاه الله - جلّ وعلا - جمالاً ظاهراً، "شطر الحسن" وأعطاه جمالاً باطناً من التقوى والخلق العظيم.

قال الله - جلّ وعلا - في بداية هذه السورة لنبيه محمد ﷺ: {نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحسَنَ القَصَصِ} [يوسف: 3]، وعلى الصحيح أن أحسن القصص ليست قصة يوسف فحسب، وإنما المقصود: مجمل القصص {نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحسَنَ القَصَصِ} [يوسف: 3] قصة يوسف، قصة إبراهيم، قصة موسى، قصة عيسى، قصة شعيب، قصة آدم، قصة صالح، قصة هود، {نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحسَنَ القَصَصِ} [يوسف: 3].

 

(1) أخرجه البخاري (3390) من حديث ابن عمر رضي الله عنه.

(2) أخرجه مسلم (162).

 

فصل - بداية قصة يوسف عليه السلام:

بدأت قصة يوسف صلوات الله وسلامه عليه عندما رأى رؤيا عجيبة {إِذ قالَ يوسُفُ لِأَبيهِ يا أَبَتِ إِنّي رَأَيتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبًا وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ رَأَيتُهُم لي ساجِدينَ ﴿٤﴾ قالَ يا بُنَيَّ لا تَقصُص رُؤياكَ عَلى إِخوَتِكَ فَيَكيدوا لَكَ كَيدًا إِنَّ الشَّيطانَ لِلإِنسانِ عَدُوٌّ مُبينٌ} [يوسف: 5:4]، عرف يعقوب لما أعطاه الله - جلّ وعلا - من علم أن هذه الرؤيا حق، وعرف أنها بُشْرى نبوة، وأن يوسف صلوات الله وسلامه عليه سيكون نبياً، فخاف عليه من إخوته، وكان يوجس منهم شراً، فقال: {لا تَقصُص رُؤياكَ عَلى إِخوَتِكَ فَيَكيدوا لَكَ كَيدًا إِنَّ الشَّيطانَ لِلإِنسانِ عَدُوٌّ مُبينٌ} [يوسف: 5].

وجاء في كتب أهل الكتاب أن يوسف قَصَّها على إخوته، والله سبحانه ما ذكر لنا ذلك، والظاهر أنه استجاب لأمر أبيه، فلم يقص هذه القصة على إخوته.

عندها قال له أبوه: {وَكَذلِكَ يَجتَبيكَ رَبُّكَ} [يوسف: 6] هذا اجتباء يا يوسف {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأويلِ الأَحاديثِ} [يوسف: 6]، أي: كما أراك الله - جلّ وعلا - هذه الرؤيا العظيمة، فإذا كتمتها سيجتبيك ربك، ويخصك بأنواع اللطف سبحانه وتعالى ويعلمك من تأويل الأحاديث {وَيُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكَ} [يوسف: 6] بالوحي فتصير نبياً {وَعَلى آلِ يَعقوبَ} [يوسف: 6] بسببك أنت، فلا تقص هذه الرؤيا على إخوتك.

قال الله - جلّ وعلا -: {لَقَد كانَ في يوسُفَ وَإِخوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلينَ} [يوسف: 7]، آيات بينات واضحات وعلامات على صدق محمد ﷺ كيف؟ رجل أمي عاش في مكة، وما خرج منها إلا مرة لتجارة قصيرة، ورجع ثم يأتي يقصُّ هذه القصة بتفاصيل دقيقة تعجب منها أهل الكتاب، بل كتموا أشياء منها كقصة يوسف مع امرأة العزيز فذكرها محمد ﷺ، آيات على صدقه صلوات الله وسلامه عليه حيث قصَّ هذه القصة بهذا الجمال، وهذه التفاصيل {لَقَد كانَ في يوسُفَ} [يوسف: 7] أي: في قصك لقصة يوسف وإخوته {آياتٌ لِلسّائِلينَ} [يوسف: 7] الذين يسألونك عن أخبار ما قد سبق.

 

فصل - بداية البلاء مع إخوة يوسف عليه السلام:

قال تعالى: {إِذ قالوا لَيوسُفُ وَأَخوهُ أَحَبُّ إِلى أَبينا مِنّا وَنَحنُ عُصبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفي ضَلالٍ مُبينٍ} [يوسف: 8]، اجتمع إخوة يوسف وهم متضايقون، فقال بعضهم لبعض: يوسف وأخوه بنيامين ابنا راحيل أحبُّ إلى أبينا منا {وَنَحنُ عُصبَةٌ} [يوسف: 8] أي: جماعة مجتمعة، فألقى الشيطان في قلوبهم الحقدَ والحسد على يوسف صلوات الله وسلامه عليه، ثم اتهموا أباهم النبيَ الكريم، فقالوا: {إِنَّ أَبانا لَفي ضَلالٍ مُبينٍ} [يوسف: 8]، وهذا لا يقوله أنبياء أبداً، ولا يقال هنا: إنهم لم يصيروا أنبياء بعد، لأن الله تبارك وتعالى يختار الأنبياء منذ نعومة أظفارهم، {اللَّـهُ أَعلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسالَتَهُ} [الأنعام: 124].

والسؤال هنا: هل كان يوسف فعلاً أحبَّ إلى أبيه منهم؟ فإذا كان الجواب: بنعم، فلِمَ؟ لِمَ كان يوسف أحبَّ إلى أبيه منهم؟

الجواب: نعم يوسف كان أحبَّ إلى أبيه من إخوته.

قال أهل العلم: يمكن أن يجاب عن هذا بخمسة أجوبة:

الجواب الأول: أن الحُبَّ شيء فطري لا يملكه الإنسان: فلا يملك الإنسان أن يحب أو أن يبغض إلا إذا كان في الدِّين، أما المحبة الفطرية، فهذه لا يملكها الإنسان، فقلبك ليس في يديك، وإنما يرغمك أحياناً على أشياء لا تريدها لحب في قلبك لشخص ما، ولذلك ترى نفسك أنك تعاقب شخصاً على فعل لو فعله غيره ممن تحب ما عاقبته، ولذا قيل:

وإذا أتى الحبيب بذنب واحد        جاءت محاسنه بألف شفيع

فله في القلب محبة لا يملكها الإنسان، ولذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "اللهم هذا قَسْمِي فيما أملك، فلا تلمني على ما لا أملك"(1)، فالقصد أن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان يحب يوسف حباً فطرياً، وهذا لا يلام عليه إذا كان يعدل في المعاملة، وهذا الذي نجزم به في حق نبي الله يعقوب صلوات الله وسلامه عليه.

الجواب الثاني: صغرُ السن: فكما قلنا: إن راحيل ولدت يوسف وأخاه آخر شيء، فهما صغيران، وهذا أمر فطري في القلب، ومعاملته للصغير تظهر أنه يحبه أكثر، فهم كانوا متوهمين في دعواهم أن يوسف وأخاه أحب إلى أبيهم منهم.

الجواب الثالث: سئلت امرأة: من أحب أولادك إليكِ؟ قالت: المريض حتى يشفى، والمسافر حتى يعود، والصغير حتى يكبر.

فهذا أمر طبيعي دائماً، فتجد الأم أو الأب يفكران في الغائب أكثر من الحاضر، وفي المريض أكثر من المعافى، وفي الصغير أكثر من الكبير، وهذا أمر طبيعي في الإنسان.

الجواب الرابع: أن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان يرى في يوسف آثار النجابة - كما قلنا -، فأعطاه الله - تبارك وتعالى - جمال الظاهر، وجمال الباطن، فكان يرى فيه هذه الآثار الطيبة، فأحبه لحسن خلقه، ولدينه، ولنجابته، وهكذا.

الجواب الخامس: للرؤيا التي رآها يوسف صلوات الله وسلامه عليه، وذلك أن يعقوب عَلِمَ أن ولده يوسف سيكون نبياً، فلذلك كان يحنو عليه، ويحرص عليه، ويرعاه، ويخاف عليه، لأنه سيكون له شأن عظيم عند الله - جلّ وعلا -.

وقد قيل: إن أمهما قد ماتت، فإن صحَّ هذا فهو سبب سادس لزيادة الرعاية لفقدان الأم، فكانا فاقِدَي الأم - أعني يوسف وبنيامين -، فكان الأب يحنو عليهما ليعوض حنان الأم الذي فقده يوسف وأخوه.

 

(1) أخرجه أبو داود (2134)، والترمذي (1140)، والنسائي (3943)، وابن ماجه (1971)، وفي إسناده ضعف.

 

فصل - التآمر على يوسف عليه السلام:

قال الله تبارك وتعالى: {قالوا لَيوسُفُ وَأَخوهُ أَحَبُّ إِلى أَبينا مِنّا وَنَحنُ عُصبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفي ضَلالٍ مُبينٍ} [يوسف: 8]، هذه مشكلة، وكل مشكلة تحتاج إلى حل، ما حلكم؟ قالوا: {اقتُلوا يوسُفَ} [يوسف: 9]، هذا هو الحل، وبديل آخر {أَوِ اطرَحوهُ أَرضًا} [يوسف: 9]، والنتيجة {يَخلُ لَكُم وَجهُ أَبيكُم} [يوسف: 9] إذاً مشكلة، وحل، ونتيجة:

المشكلة: {لَيوسُفُ وَأَخوهُ أَحَبُّ إِلى أَبينا مِنّا} [يوسف: 8]، والحل {اقتُلوا يوسُفَ أَوِ اطرَحوهُ أَرضًا} [يوسف: 9]، والنتيجة {يَخلُ لَكُم وَجهُ أَبيكُم} [يوسف: 9]، إذاً معادلة واضحة، ثم ماذا؟ هذه معصية، أخوكم، ألا تخافون الله؟! ألا تخافون العذاب؟! ألا تخافون الحساب؟! قالوا: نتوب بعد ذلك {وَتَكونوا مِن بَعدِهِ قَومًا صالِحينَ} [يوسف: 9] بعد أن نقتل يوسف أو نلقيه أرضاً ويخلُ لنا وجه أبينا ونكون قد نِلْنا ما أردنا، نتوب إلى الله سبحانه وتعالى، ونكون من بعده قوماً صالحين.

فهل هذه المشكلة يحتاج حلها إلى قتل يوسف؟! وهل قتل يوسف حلٌ لهذه المشكلة؟! ليس الأمر كذلك، ولذلك ألقوا يوسف في الجب كما سيأتي، فهل خلا لهم وجه أبيهم؟! بل قال أبوهم: {بَل سَوَّلَت لَكُم أَنفُسُكُم أَمرًا فَصَبرٌ جَميلٌ وَاللَّـهُ المُستَعانُ عَلى ما تَصِفونَ} [يوسف: 18]، إذاً ما خلا لهم وجه أبيهم، بل حزن عليه، وغضب عليهم {بَل سَوَّلَت لَكُم أَنفُسُكُم أَمرًا} [يوسف: 18] هل تابوا إلى الله تبارك وتعالى؟ يحتمل أنهم تابوا إلى الله - جلّ وعلا -، وهو الظاهر في قول الله تبارك وتعالى {قالوا تَاللَّـهِ لَقَد آثَرَكَ اللَّـهُ عَلَينا وَإِن كُنّا لَخاطِئينَ} [يوسف: 91]، وفي قولهم لأبيهم: {يا أَبانَا استَغفِر لَنا ذُنوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئينَ} [يوسف: 97]، فهم تابوا إلى الله تبارك وتعالى ولكن متى؟ بعد سنين عدداً، فماذا لو مات أحدهم قبل ذلك؟ ولكن هل هذا الأمر متهيئ لكل أحد؟!

وهل يجوز لكل أحد إذا أراد أن يقدم على معصية أن يقول: أفعل المعصية ثم أتوب!! إنّ هذا الأمر إن وُفِّقَ له إخوة يوسف فقد لا يوفق إليه غيرهم، ولذلك ينبغي ألا يقدم الإنسان على مثل هذه المعاصي ثم يقول أكون بعدها من القوم الصالحين، لأنه يحتاج إلى أن يضمن ثلاثة أشياء:

أولاً: أن يعيش إلى أن يصير صالحاً، فقد يموت قبل أن يتوب.

يخوضُ الشيخُ في بحرِ المنايا            ويرجع سالماً والبحر طامي

ويأتي الموتُ طفلاً في مَهُودٍ               فيلقى حَتْفَهُ قبل الفطام

ثانياً: أن يضمن أن يوفق إلى التوبة، فقد لا يوفق الإنسان إلى التوبة، لأن من شؤم المعصية أنها تجلب المعصية، والمعصية تجلب المعصية، وهكذا حتى يهلك الإنسان والعياذ بالله، وذلك أن التوبة توفيق من الله - جلّ وعلا -.

ثالثاً: أن يضمن أن الله عزّ وجلّ يقبل هذه التوبة، فقد لا يقبل الله التوبة، وقد تكون هناك موانع من قبل هذه التوبة لا يوفق الإنسان إلى إزالتها، فلا تُقْبل توبته عند الله - جلّ وعلا -.

وهنا خططوا ثم عرضوا المشكلة، ووضعوا الحل، وتوقعوا النتيجة النهائية، وما ذنب يوسف؟ هل أذنب يوسف شيئاً؟ أبداً ولكن الإنسان إذا أراد أن يعاقب فإنه يعاقب المذنب - في نظره على الأقل - فما ذنب يوسف أن أباه يحبه؟!

وهل هذا ذنب ليوسف صلوات الله وسلامه عليه؟! وما هذا إلا أن الشيطان أعمى بصائرهم حتى لم يروا الحق، فجمعوا بين الجريمة والظلم.

هنا قال قائل منهم: {لا تَقتُلوا يوسُفَ} [يوسف: 10] هناك حل آخر يمكن أن تصلوا به إلى نفس النتيجة، ويخلو لكم به وجه أبيكم، قال: {وَأَلقوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ يَلتَقِطهُ بَعضُ السَّيّارَةِ} [يوسف: 10] ويذهبون به، وكان هذا القائل أبرَّهم وأتقاهم لله، وأحناهم على يوسف، وإن كان قد اشترك في الجريمة، ولكن كما قيل:

................................  حنانيك بعض الشر أهون من بعض

فهذا الشر الذي جاء من هذا الأخ - وهو إلقاء يوسف في الجُبِّ - أهون

وأخف من الشر الذي كان يعزم عليه بقيّة الإخوة - وهو قتل يوسف عليه السلام -، فهناك حلٌ آخر تصلون فيه إلى مبتغاكم، ولا تُؤذون يوسف هذا الإيذاء، خاصةً أنه لم يصلْ إليكم منه شرٌ، {وَأَلقوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ يَلتَقِطهُ بَعضُ السَّيّارَةِ} [يوسف: 10]، أي: السائرين، وترتاحون منه، ولا يُقْتل، واختاروا هذا الرأي، لأن الإنسان مهما بلغ من الشر فإن فيه بذرة خير، كما قال الله تبارك وتعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿٧﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿٨﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴿٩﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 10:7]، فبذرةُ الخير ظهرت هنا حينما طلب منهم أحدهم ألا يقتلوه، وظهرت حين وافقوا على هذا الاقتراح، وقرروا إلقاء يوسف صلوات الله وسلامه عليه في الجُبِّ.

 

فصل - إلقاء يوسف عليه السلام في الجُبِّ:

اتفقوا على هذه القضية وهي أن يُلقى يوسف في الجُبِّ، فذهبوا إلى أبيهم، فقالوا: {قالوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأمَنّا عَلى يوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَناصِحونَ} [يوسف: 11]، نحن ناصحون له، وأبوهم لم يكن يرى ذلك، {أَرسِلهُ مَعَنا غَدًا يَرتَع وَيَلعَب} [يوسف: 12]، نريد أن يذهب معنا لمصلحته، يرتع ويلعب، {وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ} [يوسف: 12].

فقال يعقوب: {إِنّي لَيَحزُنُني أَن تَذهَبوا بِهِ وَأَخافُ أَن يَأكُلَهُ الذِّئبُ وَأَنتُم عَنهُ غافِلونَ} [يوسف: 13]، ولم يقل: أخاف عليه منكم، مع أنه يخاف عليه منهم كما مرَّ بنا {لا تَقصُص رُؤياكَ عَلى إِخوَتِكَ فَيَكيدوا لَكَ كَيدًا} [يوسف: 5]، فكان يتوجس منهم شراً، ولكنه كذلك لا يستطيع أن يظهر لهم هذا التوجس، حتى لا يقدموا على أمر عظيم في شأن يوسف، ولم يكن يعلم - صلوات الله وسلامه عليه - أنهم فعلاً قد أقدموا على هذا العمل العظيم، وهو قتل ابنه يوسف، فاعتذر لهم، وقال: {إِنّي لَيَحزُنُني أَن تَذهَبوا بِهِ} [يوسف: 13] ما أرى مفارقته، ولعل هذه الكلمة زادتهم غيظاً، فنحن نفارقك ولا تحزن، وهو يفارقك فتحزن! ثم ماذا؟ {وَأَخافُ أَن يَأكُلَهُ الذِّئبُ} [يوسف: 13] أنتم تدافعون عن أنفسكم، فأنتم أقوياء وكبار- وهو صغير لا يستطيع أن يدفع عن نفسه.

فقالوا: {لَئِن أَكَلَهُ الذِّئبُ وَنَحنُ عُصبَةٌ إِنّا إِذًا لَخاسِرونَ} [يوسف: 14] وهنا يعقوب عليه السلام عندما قال: {وَأَخافُ أَن يَأكُلَهُ الذِّئبُ} [يوسف: 13] أعطاهم الحلَّ بصورةٍ غير مباشرة، أعطاهم حلاً لمشكلتهم أنهم إذا ألقوا يوسف في الجُبِّ ماذا يقولون؟ فقالوا: نقول: أكله الذئب، أنت كنتَ تخاف من الذئب، وقد أكله الذئب، فسيصدق هذه مباشرةً.

وذهبوا به من الغد ثم قالوا ماذا نفعل؟ قالوا: كما اتفقنا نلقيه في الجُبِّ، فجاؤوا ليوسف وأرادوا أن يلقوه، فقال: أنا أخوكم كيف تصنعون بي هذا؟!

قالوا: ليس عليك ذنب، الذنب ذنب أبيك، وليس لك ذنب، ثم ألقوه في الجُبِّ صلوات الله وسلامه عليه، وكانوا أذكياء، فنزعوا قميصه قبل أن يلقوه في الجُبِّ، وألقوه بدون هذا القميص، ثم ذبحوا عجلاً أو تيساً، ولطّخوا القميص بالدم، وقالوا: حتى نقول لأبينا إن الذئب قد أكله.

قال الله تبارك وتعالى: {وَجاءوا أَباهُم عِشاءً يَبكونَ} [يوسف: 16] بكاء التماسيح، يبكون كذباً وزوراً.

قيل لأحد القضاة لما جاءه رجل يشكو ويبكي، فقال قائل: والله إني أراه صادقاً، قال القاضي: لِمَ؟ قال: يبكي، فقال القاضي: إخوة يوسف ذهبوا يبكون وهم كاذبون.

قال الله تعالى: {قالوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبنا نَستَبِقُ وَتَرَكنا يوسُفَ عِندَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئبُ وَما أَنتَ بِمُؤمِنٍ لَنا وَلَو كُنّا صادِقينَ} [يوسف: 17] أنت دائماً تتهمنا بالكذب، وضعوه في زاوية ضيقة: أنت لا تصدق ما نقول: {وَما أَنتَ بِمُؤمِنٍ لَنا وَلَو كُنّا صادِقينَ ﴿١٧﴾ وَجاءوا عَلى قَميصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} [يوسف: 18:17] قالوا: تريد الدليل؟ هذا هو الدليل، أليس هذا قميص يوسف؟ قال: بلى، قالوا: مُلَطَّخٌ بدمه، أكله الذئب، قال: سبحان الله! ذئب أكل يوسف ولطخ قميصه بالدماء ولم يشقق القميص؟!! نسوا أن يشقوا القميص، قميصٌ غير مشقق ملطخ بالدماء، ويقولون: هذا قميص يوسف الذي أكله الذئب، وهو يلبسه.

وهذه تسمى بالجريمة الناقصة، فلا توجد على وجه الأرض جريمة كاملة، فكل مجرم لابد وأن يترك شيئاً يفضح جريمته، يعرفه من يعرفه، ويجهله من يجهله.

 

فصل - صبر نبي الله يعقوب عليه السلام:

لما رأى يعقوب القميص سليماً لم يُشق قال: {بَل سَوَّلَت لَكُم أَنفُسُكُم أَمرًا} [يوسف: 18] كاذبون {فَصَبرٌ جَميلٌ} [يوسف: 18] لا يملك إلا أن يقول: صبر جميل {وَاللَّـهُ المُستَعانُ عَلى ما تَصِفونَ} [يوسف: 18].

وقول يعقوب: {فَصَبرٌ جَميلٌ} [يوسف: 18] يدل على صبر عظيم عند البلاء وتفويض لأمر الله تبارك وتعالى وعدم الجزع، وعرف أن إخوته كادوا به صلوات الله وسلامه عليه، ومع هذا قال: {فَصَبرٌ جَميلٌ} [يوسف: 18]، فصَبَرَ على هذا البلاء صلوات الله وسلامه عليه، ولم يجزع.

أخرج الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها لما رُميت بالإفك واتُّهمت بالزنا في عرضها وفي شرفها رضي الله عنه، وجاءها النبي ﷺ وقال لها: "يا عائشة إن كنتِ ألممت بشيء فتوبي إلى الله، فإن التوبة تَجُب ما كان قبلها" قالت: والله لا أدري ما أقول، والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف، تقول: ونسيتُ اسمه، وكان عمْرها في ذلك الوقت ثلاث عشرة سنة، فقالت: {فَصَبرٌ جَميلٌ وَاللَّـهُ المُستَعانُ عَلى ما تَصِفونَ} [يوسف: 18](1).

 

(1) أخرجه البخاري (2661)، ومسلم (2770).

 

فصل - الحسد من أصول الذنوب:

هذا الذنب الذي وقع من إخوة يوسف صلوات الله وسلامه عليه سببه الحسد، فهم حسدوا يوسف على مكانته من أبيه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أصل الذنوب ثلاثة أسباب: الحسد، والكبر، والحرص"، فلو نظرتَ في ذنوب العباد لوجدتها تدور على هذه الأمور الثلاثة.

 

فصل - المرحلة الثانية من حياة يوسف عليه السلام:

لم تطلْ مدة يوسف في الجُبِّ على ظاهر القرآن، فإنه بمجرد أن رجعوا إلى أبيهم قال الله تبارك وتعالى: {وَجاءَت سَيّارَةٌ} [يوسف: 19] أي: قافلة تسير {فَأَرسَلوا وارِدَهُم} [يوسف: 19] أي: الذي يرد الماء ليأتي به، والظاهر أن هذه البئر دائماً يمرُّ عليها المسافرون، ولذلك عندما ألقوه في الجُبِّ قالوا: {يَلتَقِطهُ بَعضُ السَّيّارَةِ} [يوسف: 10]، وذكر الله تبارك وتعالى أنهم بعد أن ألقوه جاءت سيارة، ولعلَّ إخوة يوسف كانوا يتابعون هذا الأمر، فلما رأى يوسف الدلو تعلق به، فلما رفع الرجل الدلو وإذا ليس فيه ماء، وإنما فيه غلام، فأخذ الغلام، وقال: {يا بُشرى} [يوسف: 19]، وفي قراءة "يا بشراي" {هـذا غُلامٌ وَأَسَرّوهُ بِضاعَةً} [يوسف: 19]، ولم يقل وجعلوه بضاعة، وإنما قال: {وَأَسَرّوهُ} [يوسف: 19] من الإسرار، أي: الإخفاء {وَشَرَوهُ بِثَمَنٍ بَخسٍ دَراهِمَ مَعدودَةٍ} [يوسف: 20] شروه أي: باعوه بثمن قليل، والدليل على أنه قليل قوله: {دَراهِمَ مَعدودَةٍ وَكانوا فيهِ مِنَ الزّاهِدينَ} [يوسف: 20] حيث باعوه، مَنْ الذي باع؟ مَنْ الذي أسر؟ احتمالان:

الأول: أن إخوة يوسف كانوا يراقبون الوضع، ويخافون أن يرجعه أحد إلى أبيه، وتكون الفضيحة الكبرى، وهم الذين باعوه، قالوا: هذا عبد عندنا نبيعك إياه، ولزم يوسف الصمت خوفاً من إخوته، لأنهم كادوا أن يقتلوه، وخشي إن أخذه إخوته أن يرموه مرة ثانية في جُبٍّ آخر أو يقتلوه، فما عاد يأمنهم، قال الله تبارك وتعالى: {وَاللَّـهُ عَليمٌ بِما يَعمَلونَ} [يوسف: 19] أي: من الجريمة البشعة، لأن بيع الحر من أكبر الجرائم، وقد تبرأ النبي ﷺ ممن باع حراً فأكل ثمنه(1)، {وَشَرَوهُ بِثَمَنٍ بَخسٍ دَراهِمَ مَعدودَةٍ} [يوسف: 20] هذا هو الثمن البخس، وباعوه بثمن بخس، لأن المال لم يكن هماً بالنسبة لهم، فهم لا يريدون المال أصلاً، هم يريدون التخلص من يوسف {وَكانوا فيهِ مِنَ الزّاهِدينَ} [يوسف: 20] أي: إخوة يوسف عليه السلام.

الثاني: أن الذي جاء وألقى الدلو وخرج له الغلام أسره بضاعة هو ومن معه دون أن يُعْلِم بقية القافلة، ثم لما ذهبوا إلى مصر باعوه أيضاً دون أن يعلم الباقون، وباعوه بثمن بخس، لأنهم رابحون على كل حال، لا اشتروه بثمن، ولا تكلفوا فيه، وإنما وجدوه فباعوه، فعلى كل حال هم رابحون، ولذلك باعوه بثمن بخس للتخلص منه، وكذلك لأخذ المال المقابل.

بل لو قلنا: إنهم باعوه بثمن كثير، فهو بخس في حق نبي أن يباع صلوات الله وسلامه عليه(2).

 

(1) أخرجه البخاري (222) عن أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه: "قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة"، فذكر منهم: "ورجل باع حراً فأكل ثمنه".

(2) انظر: "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة ص213 - 215، وفيه أيضاً حل لهذا الإشكال.

 

فصل - يوسف عليه السلام يدخل مصر:

دخل يوسف إلى مصر، وبدأت حياة جديدة، ومرحلة جديدة لهذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، إذاً باعه إخوة يوسف على القافلة ثم باعته القافلة في مصر أو أخذه الذين وجدوه ثم باعوه على أهل مصر.

قال الله تبارك وتعالى: {وَقالَ الَّذِي اشتَراهُ مِن مِصرَ لِامرَأَتِهِ أَكرِمي مَثواهُ} [يوسف: 21]، وهذا تمكين من الله تبارك وتعالى، ولهذا يقول بعدها - جلّ وعلا -: {وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيوسُفَ فِي الأَرضِ} [يوسف: 21] تمكينٌ من الله تبارك وتعالى أن جعله في بيت هذا الرجل، جعله في بيت رجل أحسن مثواه وأكرمه وأعطاه لزوجته، وقال لها: {أَكرِمي مَثواهُ عَسى أَن يَنفَعَنا} [يوسف: 21] إذا كبُر ينفعنا، فإنْ لم ينفعنا بعمل فنتخذه ولداً على الأقل، وظاهر هذا الكلام أنه لم يكن لهما ولد، وقال ذلك بعد أن رأى في يوسف عليه السلام علامات الصلاح من حسن وجهه وكريم خُلقه صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك قال عبد الله بن سلام لما دخل النبي ﷺ المدينة: فلما رأيته علمتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب(1)، وهذا بمجرد أن رأى يوسف ارتاحت نفسه إليه صلوات الله وسلامه عليه {أَكرِمي مَثواهُ عَسى أَن يَنفَعَنا أَو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} [يوسف: 21]، وهذا ما يسمى بالتبني.

الاسم، فهذا لا يجوز أبداً أن يحمل اسماً غير اسم أبيه.

والتبني حرَّمه الإسلام، فقد تبنى النبي ﷺ زيد بن حارثة فصار يُنادى بزيد بن محمد حتى أنزل الله تبارك وتعالى قوله - جلّ وعلا -: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّـهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب: 4]، وقال: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب: 5] أما التبني بمعنى العناية والرعاية والعطف، وما شابه ذلك، فهذا جائز مباح أما التبني بحمل الاسم فهذا لا يجوز أبداً أن يحمل اسماً غير اسم ابيه.

دخل يوسف عليه السلام بيت العزيز، قال عبد الله بن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: العزيز، لما قال: {أَكرِمي مَثواهُ عَسى أَن يَنفَعَنا} [يوسف: 21]، وبنت الرجل الصالح لما قالت عن موسى عليه السلام: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، وأبو بكر لما جعل عمر مكانه عند وفاته رضي الله عنه (1).

 

(1) أخرجه الترمذي (2485)، وابن ماجه (1334 ، 3251)، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وصححه الألباني "صحيح الجامع" (7865).

(1) أخرجه الطبري في "تفسيره" (18949 ، 18950 ، 18951).

 

فصل - يوسف عليه السلام وفتنة امرأة العزيز:

واستقرت الأمور ليوسف في هذا البيت، ولكن كما يقولون: الشيطان لم يَمُتْ، وبدأ الشيطان يؤدي دوره الذي تعهد أن يستمر عليه {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨٢﴾ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 83:82]، فبدأ الشيطان يعمل عمله حتى ألقى في قلب هذه المرأة أن تراود يوسف عن نفسه، قال سبحانه وتعالى: {وَراوَدَتهُ الَّتي هُوَ في بَيتِها عَن نَفسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبوابَ وَقالَت هَيتَ لَكَ} [يوسف: 23]. تجهزتُ لك، الأمور كلها مهيأة حتى تقع الفاحشة.

وقيل: الرب المقصود هو صاحب البيت، وهو العزيز كما قال عبد المطلب لما دخل على أبرهة وسأله عن إبله فقال: أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه.

فكان الجواب المباشر من يوسف صلوات الله وسلامه عليه {مَعاذَ اللَّـهِ} [يوسف: 23] وهكذا المؤمن، فالإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، زاد وارتفع، فيجد الإنسان نفسه تبتعد ابتعاداً شديداً عن المعصية، وتنفر عنها كما تنفر الحمر حين ترد الأسد أو أشد.

قال: {مَعاذَ اللَّـهِ إِنَّهُ رَبّي أَحسَنَ مَثوايَ} [يوسف: 23] مَنْ ربه؟ قيل: إنه أراد بربه الله - جلّ وعلا - {أَحسَنَ مَثوايَ} [يوسف: 23] بعد أن ألقاني إخوتي في الجُبِّ، أخرجني ثم أكرمني في هذا البيت.

قال: {أَحسَنَ مَثوايَ} [يوسف: 23] أكرمني فقد كنت أُباع فأكرمني، ثم قال يوسف عليه السلام: {إِنَّهُ لا يُفلِحُ الظّالِمونَ} [يوسف: 23] وهذا العمل ظلم، ظلمٌ للنفس، وهو الوقوع في الزنا، وظلمٌ للرجل الذي أكرمني، والذي استأمنني على عورته وعلى أهله، وهذا يذكرنا بقول النبي ﷺ: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وذكر منهم النبي ﷺ: "ورجل دعته امرأة ذات منب وجمال فقال: إني أخاف الله"(1)، هذا هو موقع يوسف عليه السلام، بل هو رأس هذه المجموعة.

وهكذا المسلم يلجأ إلى اللى تبارك وتعالى دائماً {مَعاذَ اللَّـهِ} [يوسف: 23] أي: أستعيذ بالله، ألجأ إلى الله، ما لجأ إلى قوته، وإنما لجأ إلى القوي، لجأ إلى الحفيظ سبحانه وتعالى فحفظه.

قال الله تبارك وتعالى: {وَلَقَد هَمَّت بِهِ وَهَمَّ بِها لَولا أَن رَأى بُرهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصرِفَ عَنهُ السّوءَ وَالفَحشاءَ إِنَّهُ مِن عِبادِنَا المُخلَصينَ ﴿٢٤﴾ وَاستَبَقَا البابَ} [يوسف: 25:24]، يوسف تسابق معها أيهما يصل إلى الباب، هو يهرب إلى الباب، وهي تهرب خلفه، هو يريد الباب وهي تجري تريد يوسف صلوات الله وسلامه عليه، فكان كالسباق، ولكنه ليس بسباق، فهو يريد شيئاً، وهي تريد شيئاً آخر. وعادة يكون السباق إلى شيء واحد، ولكن لما كانت شهوتها قد بلغت مداها صارت من سرعتها خلفه كأنها تريد أن تسبقه إلى ما يريد أن يذهب إليه، وهذا من جمال بيان القرآن.

وقد وقعت قصة مشابهة في هذه الحيثيات، فيُذكر أن رجلاً يقال له: عمرو بن قمئة - من قبيلة عربية - راودته زوجة عمه عن نفسه حيث خرج عمه إلى الصيد، فنادته امرأة عمه، فلما دخل عليها راودته عن نفسه، قال: عمي!! قالت: إن لم تفعل ما آمرك لأقولن لعمك إنك راودتني عن نفسي، وإنك حاولت الاعتداء عليّ، قال: عمي ولن أخونه في عرضه أبداً. قالت: هو ما قلته لك، قال: افعلي ما بدا لكِ، ثم خرج، وجاء عمه من الصيد، فقالت: ابن أخيك حاول أن يعتدي عليّ في غيبتك، فأخذ العم سيفه وذهب لابن أخيه ليقتله، فلما رأى الشرَّ في عين عمه، وأنه آتٍ إليه وقاتله لا محالة، صار بين ثلاثة أمور، أحلاها مُرٌّ:

الأمر الأول: إما أن يقف، فيقتله عمه.

الأمر الثاني: وإما أن يقول لعمه امرأتك هي التي راودتني عن نفسي، فيفضح عمه.

الأمر الثالث: وإما أن يهرب ويُتهم، فاختار أيسر الثلاثة، فهرب.

ويوسف صلوات الله وسلامه عليه كذلك رأى أنه إذا بقي والمرأة ثائرة، فإنه قد يحدث ما لا يُحمد عقباه، قد تمسه، قد تدفعه، قد يضربها، قد يُتهم بها صلوات الله وسلامه عليه، لذلك آثر السلامة بالهرب، وهذا على الصحيح أنه هو برهان ربه، أن الله تبارك وتعالى أوحى إليه: أنِ اهربْ، هذا هو الحل.

 

(1) أخرجه البخاري (660)، ومسلم (1031).

 

فصل - همّ يوسف عليه السلام:

قال الله تبارك وتعالى: {وَلَقَد هَمَّت بِهِ وَهَمَّ بِها} [يوسف: 24]، وهنا وقف المفسرون كثيراً، بِمَ همّت؟ وبِمَ همّ صلوات الله وسلامه عليه؟ على أقوال:

القول الأول: أنها همّت به بالفاحشة، وهمّ هو بالخاطر النفسي، أي: خطر في قلبه أن يقع منه ما تريد هي، أي: الفاحشة، قالوا: وهذا شيء جبلي طبيعي في الإنسان، فالإنسان الطبيعي تأتيه امرأة جميلة تغلق الأبواب تقول له: {هَيتَ لَكَ} [يوسف: 23]، فيميل إليها بطبعه، ثم تكون هناك أمور أخرى: إما أن يقع الزنا، وإما أن يتذكر خوفه من الله تبارك وتعالى، وإما أن تمنعه علاقة طيبة بزوجها، وإما موانع أخرى.

فالهمّ البشري الطبيعي موجود في كل إنسان، فكل رجل فيه ميل للمرأة، وكل امرأة فيها ميل للرجل، فإذاً هي همّت بالفاحشة همّاً فعلياً، وهو عليه السلام جاءه خاطر مجرد، وهذا الخاطر صرفه التقوى والدين والإيمان الذي في قلب يوسف صلوات الله وسلامه عليه.

القول الثاني: أنه لم يقع أصلاً همّ من يوسف، لأنه جاء بعدها ب{لَولا} [يوسف: 24]، فيكون في الكلام تقديم وتأخير، همت به بالفاحشة، وهذا همٌّ متفق عليه، لأنها في البداية غلقت الأبواب، وقالت: هيت لك، إذاً الأمر بالنسبة لها محسوم، ولكن الكلام في أمر يوسف، هل وقع همٌّ من يوسف أم لم يقع؟ قالوا: لم يقع همّ فعلي، حتى الهمّ النفسي لم يقع من يوسف، ولا حتى الخاطر، لأن الله قال بعدها: {لَولا أَن رَأى بُرهانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24]، وفي الآية تقديم وتأخير، فيكون التقدير: (ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها)، إذاً لم يهمّ هو، لأنه رأى برهان ربه، وهو أن يهرب، واستدلوا بقول الله تبارك وتعالى: {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} [القصص: 10] يعني: أم موسى صلوات الله وسلامه عليه، ويكون معنى الآية: لولا أن ربطنا على قلبها كادت لتبدي به، لأنها لم تبدِ به، لأن الله ربط على قلبها.

القول الثالث: أنها همّت لتضربه، وهمّ ليضربها، فليس الهمّ إذاً منها هو إرادة الزنا، ولكن الهمّ منها كان همّ الضرب، ولماذا تضربه؟!!

الجواب: لأنها صُدمتْ ودهشت، لأنها ما كانت تتوقع أبداً أن يردها، كأنها تقول: أنا امرأة العزيز، وبهذا الجمال، وأنت عبدٌ لي، وفي قَصْري، وأتهيأ لك، وأُغلِّق الأبواب، وأقول لك: هيت لك، وتردني؟!! فعزَّتْ عليها نفسها، كيف تُردّ؟! فجاءت لتضربه غضباً لما جرح من كبريائها، فيكون الهمّ منها لضربه، وهمّ كذلك ليضربها تأديباً لها على ما أرادت أن تفعل، ثم رأى برهان ربه ألا يفعل، لأنه لو ضربها لاتهموه بها، هو هرب واتُّهِمَ ولم يضربها، فكيف لو ضربها؟! لذلك قالوا: لم يُرِدْ الفاحشة، وإنما أراد أن يضربها، هذا هو الهمّ من يوسف صلوات الله وسلامه عليه.

وأياً كان الأمر فكلهم متفقون على أن يوسف لم يُرد الزنا أبداً، وأما الروايات المكذوبة التي تقول: أنه جلس منها مجلس الرجل من المرأة، أو أنه حل سراويله، والبرهان أنه رأى يعقوب عاضاً على أصبعه، رآه في الجدار، فهذا كله كذب، وإنما هذه من روايات بني إسرائيل التي فيها مطعن على أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

 

فصل - قميص يوسف عليه السلام:

هرب يوسف عليه السلام من امرأة العزيز، فلحقت به {وَقَدَّت قَميصَهُ مِن دُبُرٍ} [يوسف: 25] أي: جرته، لأنها تريده، فانشق قميصه بيدها {وَقَدَّت قَميصَهُ مِن دُبُرٍ} [يوسف: 25]، يقول أهل العلم في اللغة: إذا كان الشق في الطول يقال له: "قَدّه"، وإذا كان الشق بالعرض يقولون: "قَطّه"، وإذا مزقه يقولون: "قَطَّعَه".

وقميص يوسف عجيب، قميص يوسف أخذه إخوة يوسف، وأعطوه لأبيهم وقالوا: أكله الذئب، وهنا يأتينا أيضاً قميص يوسف {وَقَدَّت قَميصَهُ مِن دُبُرٍ} [يوسف: 25] وسيأتينا أيضاً قميص يوسف {اذهَبوا بِقَميصي هـذا فَأَلقوهُ عَلى وَجهِ أَبي} [يوسف: 93]، ولذلك يقول الإمام الشعبي رحمه الله تعالى: قصة يوسف في قميصه، دائماً يُذكر هذا القميص، مع أن القميص الذي أعطيه يعقوب، غير القميص الذي قدَّته امرأة العزيز، غير القميص الذي أُلقي على وجه يعقوب صلوات الله وسلامه عليه.

لما وصل يوسف إلى الباب وفتحه يريد الخروج {وَأَلفَيا سَيِّدَها لَدَى البابِ} [يوسف: 25] وسيدها: زوجها وكانوا في زمنهم يقولون للزوج: "سيد" ولم يقل: "سيدهما"، مع أن يوسف في الأصل عبد عندهما، ولكن الله تبارك وتعالى كما يقول أهل التفسير: أراد الله أن يبين أن مُلْكهم ليوسف خطأ، وغير صحيح، لأن يوسف حر، ولذلك لم يسمه سيداً ليوسف أبداً، بِيعَ وهو حر صلوات الله وسلامه عليه.

وهنا شيء عجيب جداً من تصرف هذه المرأة واستعادتها لوعيها مباشرة لما رأتْ سيّدَها، قالت: {ما جَزاءُ مَن أَرادَ بِأَهلِكَ سوءًا} [يوسف: 25] أي: يوسف، مع أن الأمر واضح، فهو الذي فتح الباب عليه الصلاة والسلام وهي خلفه، ثم قالت: {إِلّا أَن يُسجَنَ أَو عَذابٌ أَليمٌ} [يوسف: 25]، إذاً هي القاضية، هي الخصم وهي الحكم، والأمر كما قيل:

يا أعدل الناس إلا في محاكمتي         فيك الخصام وأنت الخصم والحكم

وهذا دليل على قوة شخصيتها، وضعف شخصية الزوج، بدليل أنها من جرأتها وقوة بأسها، تقول لزوجها: {ما جَزاءُ مَن أَرادَ بِأَهلِكَ سوءًا إِلّا أَن يُسجَنَ أَو عَذابٌ أَليمٌ} [يوسف: 25]، إذاً خيَّرته بين أمرين: السجن أو العذاب، وكل هذا والزوج لا يحرك ساكناً، حتى قال بعض أهل العلم: وهذا دليل على أن الرجل كان ديوثاً لا يغار على امرأته، ولذلك سيأتينا قوله لها {وَاستَغفِري لِذَنبِكِ} [يوسف: 29]، وهذا منتهى غيرته على عرضه، وسيأتينا أن امرأة العزيز لما تكلمت مع النسوة بعد أن قلن: {امرَأَتُ العَزيزِ تُراوِدُ فَتاها عَن نَفسِهِ} [يوسف: 30]، ثم قطعن أيديهن لما رأين يوسف صلوات الله وسلامه عليه قالت: {فَذلِكُنَّ الَّذي لُمتُنَّني فيهِ وَلَقَد راوَدتُهُ عَن نَفسِهِ فَاستَعصَمَ وَلَئِن لَم يَفعَل ما آمُرُهُ لَيُسجَنَنَّ} [يوسف: 32]، ولم تذكر هذه المرة العذاب الأليم، والسبب في ذلك كما قالوا: لأنها هنا مغتاظة من يوسف، خاصة إذا قلنا: إن الهمّ منها الضرب، فلا مانع عندها أن يضرب، بل لا مانع عندها أن يقتل، لأنه جرح كبرياءها {يُسجَنَ أَو عَذابٌ أَليمٌ} [يوسف: 25]، لكن هناك {وَلَئِن لَم يَفعَل ما آمُرُهُ لَيُسجَنَنَّ} [يوسف: 32] ولكن بغير عذاب أليم، لأنها تريده الآن، رجعها لها وعيها مرة ثانية، والآن تريد يوسف مرة ثانية.

 

وفصل - وشهد شاهد من أهلها:

قال الله تبارك وتعالى: {وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أَهلِها إِن كانَ قَميصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَت وَهُوَ مِنَ الكاذِبينَ ﴿٢٦﴾ وَإِن كانَ قَميصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَت وَهُوَ مِنَ الصّادِقينَ} [يوسف: 27:26].

أولاً: مَنْ هذا الشاهد؟ قيل: الشاهد ابن خالتها، وقيل: هو زوجها، وقيل: الشاهد طفل رضيع، شهد ليوسف في هذه القضية، وأياً كان، فالمهم أنه شهد شاهد من أهلها، وهذا دليل على براءة يوسف، لأن الشاهد من أهلها الأصل أنه يقف معها، ولذلك الله تبارك وتعالى لبيان براءة يوسف جاء بشاهد من أهلها، والدليل على أن هذا الشاهد معها ليس مع يوسف أنه قدم براءتها على براءة يوسف، فقال: {إِن كانَ قَميصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَت وَهُوَ مِنَ الكاذِبينَ} [يوسف: 26]، هذا الاحتمال الأول، وهو الذي تمناه الشاهد حتى يكون يوسف هو المخطىء، وتكون هي البريئة.

 

لِمَ تكلم الشاهد بهذا الكلام؟

لما قالت هي: {ما جَزاءُ مَن أَرادَ بِأَهلِكَ سوءًا} [يوسف: 25] سكت ولم يتكلم، وأراد الستر، وما قال: راودتني أبداً، لكن هي اتهمته زوراً وظلماً {ما جَزاءُ مَن أَرادَ بِأَهلِكَ سوءًا إِلّا أَن يُسجَنَ أَو عَذابٌ أَليمٌ} [يوسف: 25] وهنا كان لابد ليوسف أن يدافع عن نفسه قال: {هِيَ راوَدَتني عَن نَفسي} [يوسف: 26].

وأُخبر الشاهد أن القميص مشقوق، وهي تقول: هو راودني، وهو يقول: هي راودتني، قال: انظروا في قميصه، فإن كان قُدَّ من الأمام، فهو الذي راودها، وهو الذي أرادها بالسوء، وإن كان قُدَّ من الخلف، فهي التي راودته.

والأظهر أن الشاهد ابن خالتها، وهذا أشهر الأقوال.

قال الله تبارك وتعالى: {فَلَمّا رَأى قَميصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِن كَيدِكُنَّ إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظيمٌ} [يوسف: 28]، تراوده عن نفسه،

مقالات ذات صلة :