• 4 تموز 2016
  • 12,188

الإحسان

الإحسان ضد الإساءة. والحسنةُ ضدُّ السّيّئة. يقال رجل مُحسنٌ ومحسانٌ. ويقالُ: أحسن يا هذا فإنّك محسانٌ، أي لا تزالُ مُحسناً .

 معنى الإحسان اصطلاحا:

الإحسان نوعان:

- إحسان في عبادة الخالق : بأن يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه. وهو الجد في القيام بحقوق الله على وجه النصح، والتكميل لها.

- و إحسان في حقوق الخلق .

(والإحسان إلى الخلق: هو بذل جميع المنافع من أي نوع كان، لأي مخلوق يكون، ولكنه يتفاوت بتفاوت المحسن إليهم، وحقهم ومقامهم، وبحسب الإحسان، وعظم موقعه، وعظيم نفعه، وبحسب إيمان المحسن وإخلاصه، والسبب الداعي له إلى ذلك) .

 

الأمر بالإحسان والترغيب فيه من القرآن الكريم:

- قال سبحانه: (( إنّ الله يأمُرُ بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القُربى وينهى عن الفحشاء والمُنكر والبغي يعظُكُم لعلّكُم تذكّرُون ))[النحل:90]

قال السعدي: (العدل هو ما فرضه الله عليهم في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأمرهم بسلوكه، ومن العدل في المعاملات أن تعاملهم في عقود البيع والشراء وسائر المعاوضات، بإيفاء جميع ما عليك فلا تبخس لهم حقا ولا تغشهم ولا تخدعهم وتظلمهم. فالعدل واجب، والإحسان فضيلة مستحب وذلك كنفع الناس بالمال والبدن والعلم، وغير ذلك من أنواع النفع حتى إنه يدخل فيه الإحسان إلى الحيوان البهيم المأكول وغيره

وخص الله إيتاء ذي القربى -وإن كان داخلا في العموم- لتأكد حقهم وتعين صلتهم وبرهم، والحرص على ذلك.

ويدخل في ذلك جميع الأقارب قريبهم وبعيدهم لكن كل ما كان أقرب كان أحق بالبر .

- و قال تعالى: (( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبُدُون إلاّ الله وبالوالدين إحساناً وذي القُربى واليتامى والمساكين وقُولُوا للنّاس حُسناً وأقيمُوا الصّلاة وآتُوا الزّكاة ثُمّ تولّيتُم إلاّ قليلاً مّنكُم وأنتُم مّعرضُون ))[البقرة: 83]

أي: (أحسنوا بالوالدين إحسانا، وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم، وفيه النهي عن الإساءة إلى الوالدين، أو عدم الإحسان والإساءة، لأن الواجب الإحسان، والأمر بالشيء نهي عن ضده.

وللإحسان ضدان: الإساءة، وهي أعظم جرماً، وترك الإحسان بدون إساءة، وهذا محرم، لكن لا يجب أن يلحق بالأول، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى، والمساكين، وتفاصيل الإحسان لا تنحصر بالعد، بل تكون بالحد.

ثم أمر بالإحسان إلى الناس عموما فقال: (( وقُولُوا للنّاس حُسنًا )) ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب.

ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله، أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق، وهو الإحسان بالقول، فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار .

- وقال تعالى: يا أيُّها الّذين آمنُوا كُتب عليكُمُ القصاصُ في القتلى الحُرُّ بالحُرّ والعبدُ بالعبد والأُنثى بالأُنثى فمن عُفي لهُ من أخيه شيءٌ فاتّباعٌ بالمعرُوف وأداء إليه بإحسانٍ ذلك تخفيفٌ مّن رّبّكُم ورحمةٌ فمن اعتدى بعد ذلك فلهُ عذابٌ أليمٌ [البقرة: 178]

- وقوله: (( وابتغ فيما آتاك اللّهُ الدّار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدُّنيا وأحسن كما أحسن اللّهُ إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إنّ اللّه لا يُحبُّ المُفسدين ))[القصص: 77]

قال الشوكاني: في تفسير قوله: وأحسن كما أحسن اللّهُ إليك (أي: أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بما أنعم به عليك من نعم الدنيا) .

- وقال عز من قائل:(( إنّ رحمت الله قريبٌ مّن المُحسنين ))[الأعراف:56]

 

أقسام الإحسان :

الإحسان ينقسم إلى نوعين: النوع الأول إحسان في عبادة الله.

النوع الثاني: الإحسان إلى عباد الله وهو على قسمين :

(أحدهما: واجب، وهو الإنصاف، والقيام بما يجب عليك للخلق بحسب ما توجب عليك من الحقوق).

(بأن تقوم بحقوقهم الواجبة، كالقيام ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والإنصاف في جميع المعاملات، بإعطاء جميع ما عليك من الحقوق، كما أنك تأخذ مالك وافيا. قال تعالى: واعبُدُوا اللّه ولا تُشركُوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا وبذي القُربى واليتامى والمساكين والجار ذي القُربى والجار الجُنُب والصّاحب بالجنب وابن السّبيل وما ملكت أيمانُكُم. [النساء: 36]. فأمر بالإحسان إلى جميع هؤلاء) .

قال ابن رجب في شرحه لحديث ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء ... )) (رواه مسلم (1955) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه.): (وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه، فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب.

والإحسان في ترك المحرمات : الانتهاء عنها، وترك ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى:(( وذرُوا ظاهر الإثم وباطنهُ ))[الأنعام:120]. فهذا القدر من الإحسان فيها واجب.

وأما الإحسان في الصبر على المقدورات، فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تسخط ولا جزع.

والإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيام بما أوجب الله من حقوق ذلك كله، والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كلها، والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ليس بواجب.

والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب: إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأوحاها من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه. وهذا النوع هو الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث، ولعله ذكره على سبيل المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال فقال: ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) (رواه مسلم (1955) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه.) والقتلة والذبحة بالكسر، أي: الهيئة، والمعنى: أحسنوا هيئة الذبح، وهيئة القتل. وهذا يدل على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه. وقد حكى ابن حزم الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة، وأسهل وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق، قال الله تعالى في حق الكفار: فإذا لقيتُمُ الّذين كفرُوا فضرب الرّقاب [محمد:4]، وقال تعالى: (( سأُلقي في قُلُوب الّذين كفرُوا الرّعب فاضربُوا فوق الأعناق)) [الأنفال:12]. وقد قيل: إنه عين الموضع الذي يكون الضرب فيه أسهل على المقتول وهو فوق العظام دون الدماغ).

والثاني : إحسان مستحب. وهو ما زاد على ذلك من بذل نفع بدني، أو مالي، أو علمي، أو توجيه لخير ديني، أو مصلحة دنيوية، فكل معروف صدقة، وكل ما أدخل السرور على الخلق صدقة وإحسان. وكل ما أزال عنهم ما يكرهون، ودفع عنهم ما لا يرتضون من قليل أو كثير، فهو صدقة وإحسان .

مقالات ذات صلة :