• 10 تشرين الأول 2017
  • 4,991

سلسلة من نحب - الله تعالى – (27) القويّ، المتين :

وقد جاء اسم الله "القوي" في عدّة مواضع من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [الشورى: 19]، وقوله: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21]، وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [هود: 66].

واسم الله "المتين" لم يرد إلَّا في موضع واحد مقروناً بوصف الله بأنه ذو القوّة، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58].

ومعنى "المتين" أي: شديد القوّة، ومعنى "القويّ" أي: الذي لا يعجزه شيء، ولا يغلبه غالب، ولا يرد قضاءه راد، ينفذ أمره ويمضي قضاؤه في خلقه، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وينصر من يشاء، ويخذل من يشاء، فالقوة لله جميعاً، لا منصور إلا من نصره، ولا عزيز إلَّا من أعزّه، وكذلك المخذول من خذله الله، والذّليل من أذلّه، قال الله تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160]، وقال تعالى: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} [البقرة: 165]، وهي حقيقة سوف يدركها المشركون يوم القيامة، يوم يرون عذاب الله بأبصارهم، فيعلمون حينئذ علماً جازماً أن القوة لله جميعاً. وقد عميت أبصارهم في الدنيا عن رؤية شواهد قوته ودلائل قدرته فاتخذوا الأنداد وعبدوا الأوثان وتعلقت قلوبهم بما لا يعطي ولا يمنع ولا يخفض ولا يرفع ولا يملك لنفسه نفعاً ولا دفعاً فضلا عن أن يملك شيئاً من ذلك لغيره.

هذا ومن شواهد قوته نصره لأنبيائه وتأييده لأوليائه وفي قصص الأنبياء في القرآن خير شاهد على هذا، قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ } [هود: 66]، وقال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]، وقال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21]، وقال تعالى: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25].

ومن شواهد قوَّته إهلاكه للظّالمين وانتقامه من المجرمين وإحلاله بهم أنواع العقوبات وصنوف المثُلات، قال تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 52]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّـهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّـهِ مِن وَاقٍ ﴿٢١﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّـهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [غافر: 21-22].

ومن شواهد قوته قيام السماء والأرض بأمره وحفظه لهما ولما فيهما بقدرته فلا يعجزه شيء قال تعالى: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً} [فاطر: 44].

ومن شواهد قوته أن الرزق بيده يؤتيه من يشاء، قال تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [الشورى: 19]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58]، ولا حول للعبد في جلب نفع أو دفع ضر ولا قوة إلَّا بالله، قال تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف: 39].

ومن شواهد قوته أنه لا مفرَّ إلا إليه ولا ملجأ للعبد ولا منجا منه إلَّا إليه، قال تعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ} [الأنفال: 59]، وقال تعالى عن الجنّ: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا} [الجن: 12]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأحقاف: 32]، وقال تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 50].

ومن شواهد قوّته أنه الفعَّال لما يُريد، لا يقع شيءٌ في هذا العالم من حركة أو سكون، أو خفض أو رفع، أو عز أو ذل، أو عطاء أو منع إلا بإذنه، يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب، بل قهر كل شيء، ودان له كل شيء، كما قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِيْنَ} [الأعراف: 54]، وقال تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2]، وقال تعالى: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: 3].

هذا وإنّ إيمان العبد بهذا الاسم يثمر فيه انكساراً بين يدي الله وخضوعاً لجانبه وخوفاً منه سبحانه ولُجوءاً إليه وحده، وحسن توكل عليه، واستسلاماً لعظمته، وتفويضَ الأمور كلِّها إليه، والتبرؤَ من الحول والقوة إلا به.

ولهذا كانت كلمةُ "لا حول ولا قوة إلَّا بالله" جليلةَ الشّأن، كبيرةَ القدر، عظيمةَ الأثر، قال ﷺ لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "يا عبد الله بن قيس، قلْ: لا حول ولا قوة إلَّا بالله؛ فإنّها من كنوز الجنّة"، متَّفق عليه(1).

وروى الإمام أحمد من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه، قال: "أمرني خليلي ﷺ بسبع، فذكرها، قال: "وأمرني أن أكثر من قول: لا حولا ولا قوة إلا بالله؛ فإنهنّ من كنزٍ تحت العرش"(2).

وهي كلمةُ إسلام واستسلام، وتفويضٍ والتجاء، وتبرؤٍ من الحول والقوة إلا بالله، وأن العبد لا يملك من أمره شيئاً، وليس له حيلة في دفع شر، ولا قوة في جلب خير إلا بإذن الله، ولا تحول للعبد من معصية إلى طاعة، ولا من مرض إلى صحة، ولا من وهن إلى قوة، ولا من نقص إلى زيادة إلا بالله، ولا قوة للعبد على القيام بأيِّ شأنٍ من شؤونه إلا بالله.

ومن قال هذه الكلمة محقِّقاً ما دلَّت عليه من التوكُّل والتفويض وحسن الالتجاء هُدي ووُقي وكُفي، وكان من أقوى الناس قلباً وأحسنهم حالاً ومآلاً، وفي الأثر: "من سرَّه أن يكون أقوى الناس فليتوكَّل على الله، ومن سرَّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده".

****

 

(1) "صحيح البخاري" (رقم: 6384)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2704).

(2) رواه الإمام أحمد (5/ 159) وغيره بإسناد حسن. وانظر: "السلسلة الصحيحة" (2166).

مقالات ذات صلة :