• 11 تشرين الأول 2017
  • 5,335

سلسلة من نحب - الله تعالى - (29) الولِيّ، المَولَى :

وهما اسمان تكرَّر ورودهما في القرآن الكريم، قال الله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى: 9]، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى: 28]، وقال تعالى: {وَكَفَى بِاَللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاَللَّهِ نَصِيرًا} [النساء: 45]، وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج: 78]، وقال تعالى: {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [آل عمران: 150]، وقال تعالى: {وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم: 2].

وولاية الله تعالى وتولّيه لعباده نوعان:

النوع الأول : ولاية عامة: وهي تصريفه سبحانه وتدبيره لجميع الكائنات، وتقديره على العباد ما يريد من خير وشر، ونفع وضر، وإثباتُ معاني الملك كلّه لله تعالى، وأنّ العباد كلهم طوع تدبيره لا خروج لأحد منهم عن نفوذ مشيئته وشمول قدرته، وهذا أمر يشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، يدل لهذا قول الله تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام: 62]، وقوله تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [يونس: 30].

ومعنى كونه سبحانه مولى الكافرين أي: أنه مالكهم، المتصرف فيهم بما شاء، ولا يعارض هذا قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 11]؛ إذ الولاية المنفية هنا هي ولاية المحبة والتوفيق والنصر والتأييد، وهي خاصة بالمؤمنين، وليس للكافرين منها نصيب، بل حظهم الخسران، ونصيبهم الحرمان، ووليهم الشيطان، ومولاهم النار، وبئس المصير، قال تعالى: {فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 63]، وقال تعالى: {فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحديد: 15].

النوع الثاني: الولاية الخاصة والتولي الخاص؛ وهذا أكثر ما يرد في القرآن الكريم وفي السنَّة النبويَّة، وهي ولاية عظيمة وتولٍّ كريم، اختصّ الله به عباده المؤمنين، وحزبه المطيعين، وأولياءه المتقين.

وهذا التولِّي الخاص يقتضي عنايته ولطفه بعباده المؤمنين، وتوفيقهم بالتربية على الإيمان والبعد عن سبل الضلال والخسران، قال تعالى: {اللَّـهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257].

وتقتضي غفران ذنوبهم ورحمتهم، قال تعالى: {أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} [الأعراف: 155].

وتقتضي التأييد والنصر على الأعداء، قال تعالى: {أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286]، وقال تعالى: {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [آل عمران: 150]، ولما قال أبو سفيان يوم غزوة أحد: لنا العزّى ولا عزّى لكم، قال النَّبيُّ ﷺ للصَّحابة: "أجيبوه"، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: "الله مولانا ولا مولى لكم"، رواه البخاريُّ في "صحيحه"(1).

وتقتضي كذلك منَّهُ عليهم يوم القيامة بدخول الجنان والنجاة من النيران، قال تعالى: {لَهُمْ دَار السَّلَام عِنْد رَبّهمْ وَهُوَ وَلِيّهمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 127]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣٠﴾ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿٣١﴾ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فصلت: 30-32].

وقد بيَّن الله سبحانه في القرآن الكريم الأسبابَ التي نال بها هؤلاء ولاية الله لهم، وتولّيه إياهم بتوفيقه وتسديده وعونه وتأييده، قال تعالى: { أَلا إِنَّ أَولِياءَ اللَّـهِ لا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ ﴿٦٢﴾ الَّذينَ آمَنوا وَكانوا يَتَّقونَ ﴿٦٣﴾ لَهُمُ البُشرى فِي الحَياةِ الدُّنيا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبديلَ لِكَلِماتِ اللَّـهِ ذلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظيمُ} [يونس: 62-64]، فلا تنال ولاية الله إلَّا بالإيمان الصادق وتقوى الله في السّر والعلانية، والاجتهاد في التقرب إليه بفرائض الإسلام ورغائب الدِّين.

روى البخاري في "صحيحه"(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ قال: "إنّ الله قال: من عادَى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضتُه عليه، وما يزالُ عبدي يتقرَّب إليّ بالنّوافل حتى أحبّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها، وإنْ سألني لأعطينّه، ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه".

وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون، وأفضل المرسلين هم أولو العزم، وأفضل أولي العزم نبيُّنا محمّد ﷺ خاتمُ النبيين، وإمامُ المرسلين، وسيِّدُ ولد آدم أجمعين، وقد جعله الله الفارق بين أوليائه وبين أعدائه، فلا يكون وليّاً لله إلا مَنْ آمن به وبما جاء به، واتبعه ظاهراً وباطناً، ومن ادّعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أولياء الله، بل من خالفه كان من أعداء الله وأولياء الشيطان، قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} [آل عمران: 31]، فبيَّن فيها أنَّ من اتبع الرّسول ﷺ فإنَّ الله يحبه، ومن ادعى محبة الله ولم يتبع الرّسول ﷺ فليس من أولياء الله.

وكثيرٌ في الناس مَنْ يظنُّ في نفسه أو في غيره أنه من أولياء الله، وهو في حقيقة الأمر ليس من أوليائه، فاليهود والنصارى يدَّعون أنهم أولياء الله وأحباؤه، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان منهم، ومشركو العرب يدّعون أنهم أهل الله لسكناهم مكة ومجاورتهم البيت {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} [الأنفال: 34].

وكذلك الملاحدة من القائلين بوحدة الوجود أو إن الله حالٌّ في خلقه أو متحد بهم وأنه لا فرق بين الرّبِّ والعبد، وعندهم أن هذا غاية التحقيق والولاية لله، وهو في الحقيقة غاية الإلحاد والتعطيل والعداوة لله، فليس كلُّ من ادّعى الولاية وتظاهر بها يعدّ وليا لله، فأولياؤه هم المؤمنون المتّقون المحافظون على الفرائض والواجبات، والمجانبون للكبائر والمحرمات، ومن تظاهر بالولاية وادعاها وهو لا يؤدي الفرائض ولا يجتنب المحارم، بل قد يأتي بما يناقض ذلك أو يزعم سقوط التّكاليف عنه أو نحو ذلك من مسالك أهل الانحلال وطرائق أهل الزّيغ والضلال فهو في الحقيقة وليٌّ للشّيطان، وليس من أهل ولاية الله في شيء، فأهل ولاية الله هم من صلحت أعمالهم بطاعته، وازْدَانتْ أوقاتُهم بعبادته {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196].

****

 

(1) (رقم: 4043).                                                    (2) (رقم: 6502).

مقالات ذات صلة :