• 14 تشرين الأول 2017
  • 3,058

سلسلة من نحب – صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم – (40) سيدنا حبيبُ بنُ زيد الأنصاريُ رضي الله عنه :

(بارك الله عليكم من أهل بيتٍ رحمكم الله من أهلٍ بيتٍ)( من ثناء الرسول على حبيبٍ وآل بيته )

في بيت تتضوَّع(1) طيوب الإيمان في كلِّ ركنٍ من أركانه . . .

وتلوح صور التَّضحية و الفداء على جبين كلِّ ساكنٍ من سكَّانه . . .

نشأ حبيب بن زيدٍ الأنصاريُّ و درج .

فـأبوه هو زيد بن عاصمٍ طليعة المسلمين في يثرب , و أحد السبعين الذين شهدوا العقبة(2) وشدُّوا على يدي رسول الله مبايعين , و معه زوجته وولداه .

وأمه هي أمُّ عمارة نسيبة المازنيَّة أول امرأةٍ حملت السلاح دفاعاً عن دين الله , وذياداً(3) عن محمدٍ رسول الله .

و أخوه هو عبد الله بن زيدٍ الذي جعل نحره دون نحر(4) النبيِّ وصدره دون صدره يوم أُحدٍ . . .

حتى قال فيهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه : (بارك الله عليكم من أهل بيتٍ . . . رحمكم الله من أهل بيت . . .) .

نفذ النور الإلهيُّ(5) إلى قلب حبيب بن زيدٍ و هو غضٌّ طريُّ , فاستقرَّ فيه و تمكَّن منه .

و كتب له أن يمضي مع أمِّه و أبيه و خالته وأخيه إلى مكَّة ليسهم مع النَّفر السبعين من الغرِّ(6) الميامين في صنع تاريخ الإسلام ؛ حيث مدَّ يده الصغيرة و بايع رسول الله تحت جنح الظلام بيعة العقبة .

_____________________________________________________________________________________________________

ومنذ ذلك اليوم غدا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أحب إليه من أمِّه و أبيه . . .

وأصبح الإسلام أغلى عنده من نفسه التي بين جنبيه . . .

لم يشهد حبيب بن زيدٍ بدراً , لأنه كان يومئذ صغيراً جدًّا .

و لم يكتب له شرف الإسهام في أُحدٍ , لأنه كان ما يزال دون حمل السلاح . . .

لكنَّه شهد بعد ذلك المشاهد كلَّها مع رسول الله , فكان له في كل منها راية عزٍّ . . .

وصحيفة مجد . . .

وموقف فداء . . .

غير أن هذه المشاهد على عظمتها وروعتها لم تكن في حقيقتها سوى إعدادٍ ضخمٍ للموقف الكبيرالذي سنسوق لك حديثه , والذي سيهزُّ ضميرك في عنفٍ كما هزَّ ضمائر ملايين المسلمين منذ عصر النبَّوة وإلى يومنا الذي نحن فيه .

والذي ستروعك قصَّته كما راعتهم على مرٍّ العصور .

فتعال نستمع إلى هذه القصّة العنيفة من بدايتها .

في السنة التاسعة للهجرة كان الإسلام قد صلب عوده(7) , وقويت شوكته(8) ورسخت دعائمه , فطفقت وفود العرب تشدُّ الّرٍّحال من أنحاء الجزيرة إلى يثرب للقاء رسول الله صلوات الله و سلامه  عليه , وإعلان إسلامها بين يديه , و مبايعته على السمع و الطَّاعة .

وكان في جملة هذه الوفود وفد بني حنيفة القادم من أعالي نجدٍ .

أناخ الوفد جماله في حواشي(9) مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وخلَّف على رحاله(10) رجلاً منه يدعى مسيلمة بن حبيب الحنفي , ومضى إلى النبي صلى الله عليه وسلم , وأعلن إسلامه و إسلام قومه بين يديه ؛ فأكرم الرسول صلوات الله و سلامه عليه وفادتهم(11) , و أمر لكلٍّ منهم بعطيَّةٍ و أمر لصاحبهم الذي خلَّفوه في رحالهم بمثل ما أمر لهم به .

_____________________________________________________________________________________________________

لم يكد يبلغ الوفد منازله في نجدٍ حتَّى ارتدَّ مسيلمة بن حبيبٍ عن الإسلام , وقام في الناس يعلن لهم :

أنه نبي مرسلٌ أرسله الله إلى بني حنيفة كما أرسل محمد بن عبد الله إلى قريش . . .

فطفق قومه يلتفُّون حوله مدفوعين إلى ذلك بدوافع شتَّى كان أهمُّها العصبيَّة(12) ؛ حتى إن رجلاً من رجالاتهم قال :

أشهد أن محمداً لصادق و أن مسيلمة لكذَّاب ؛ ولكنَّ كذَّاب ربيعة(13) أحبُّ إلي من صادق مضر(14) .

و لما قوي ساعد مسيلمة و غلظ أمره(15) كتب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم كتاباً جاء فيه :

من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله , سلامٌ عليك .

أما بعد فإني قد أشزكت في الأمر معك , وإن لنا نصف الأرض و لقريشٍ نصف الأرض , و لكن قريشاً قومٌ يعتدون .

و بعث الكتاب مع رجلين من رجاله فلما قرىء الكتاب للنبيَّ عليه الصلاة و السلام قال للرجلين : (وما تقولان أنتما؟!) .

فأجابا: نقول كما قال .

فقال لهما : ( أما والله لولا أن الرُّسل لا تقتل لضربت عنقيكما ) , ثم كتب إلى مسيلمة رسالة جاء فيها : بسم الله الرحمن الرحيم

( من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب.

السّلام على من اتّبع الهدى , أمّا بعد فإنَّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتّقين) .

وبعث الرٍّسالة مع الرجلين .

_________________________________________________________

ازداد شرّ مسيلمة الكذاب واستشرى(16) فساده , فرأى الرسول صلوات الله عليه أن يبعث إليه برسالة يزجره فيها عن غيِّه(17) وندب لحمل الرسالة بطل قصّتنا حبيب بن زيد .

وكان يومئذ شابّا ناضر الشّباب مكتمل الفتاءِ(18) مؤمنا من قمَّة رأسه إلى أخمص قدميه .

مضى حبيب بن زيد إلى ما أمره رسول الله صلّى الله عليه و سلّم غير وانٍ(19) ولا متريِّث(20) ترفعه النِّجاد(21) وتحطّه الوهاد(22) حتّى بلغ ديار بني حنيفة في أعالي نجد , ودفع الرسالة إلى مسيلمة .

فما كاد مسيلمة يقف على ما جاء فيها حتّى انتفخ صدره ضغينة و حقدا , وبدا الشرّ والغدر على قَسَمَاتِ(23) وجهه الدميم الأصفر , وأمَرَ بحبيب بن زيد أن يقيّد , وأن يؤتى به إلى ضحى اليوم التالي .

فلمّا كان الغد تصدّر مسيلمة مجلسه , وجعل عن يمينه وعن شماله الطّواغيت(24) من كبار أتباعه , وأذِنَ للعامّة بالدّخول عليه , ثم أمَرَ بحبيب بن زيد فَجِيءَ به إليه وهو يرسف في قيوده(25) .

وقف حبيب بن زيد وسط هذه الجموع الحاشدة الحاقدة مشدود القامة , مرفوع الهامة , شامخ الأنف , وانتصب بينها كرمح سمهريّ(26) أحكمَ المثقَّفون(27) تقويمه .

فالتفت إليه مسيلمة وقال : أتشهد أنَّ محمداً رسولُ الله ؟

فقال : نعم أشهد أنّ محمداً رسولُ الله .

فتميَّز(28) مسيلمة غيظا وقال : وتشهد أنّي رسول الله ؟

فقال حبيب في سخرية لاذعة : إنّ في أذني صمما عن سماع ما تقول , فامتقع(29) وجه مسيلمة وارتجفت ضفتاه حنقا(30) وقال لجلاده : اقطع قطعة من جسده .

_________________________________________________________

فأهوى الجلّاد على حبيب بسيفه فبتر قطعة من جسده فتدحرجت على الأرض ...

ثمّ أعاد مسيلمة عليه السؤال نفسه : أتشهد أنّ محمدا رسول الله ؟, قال : نعم أشهد أنّ محمداً رسولُ الله .

قال : قلت لك : إنّ في أذنيَّ صمما عن سماع ما تقول .

فأمر بأن تقطع من جسده قطعة أخرى فقُطعت وتدحرجت على الأرض حتّى استوت(31) إلى جانب أختها , والناس شاخصون(32) بأبصارهم إليه , مذهولون من تصميمه و عناده .

ومضى مسيلمة يسأل , والجلّاد يقطع , وحبيب يقول : أشهد أنّ محمدا رسول الله .

حتّى صار نحو نصفه بِضَعا(33) مقطّعة منثورة على الأرض ... ونصفه الآخر كتلة تتكلّم ...

ثم فاضت روحه , وعلى شفتيه الطاهرتين اسم النبيّ الذي بايعه ليلة العقبة ...

اسم محمد رسول الله ...

نعى الناس حبيب بن زيد إلى أمِّه نسيبة المازنيَّة فما زادت على أن قالت : من أجل مثل هذا الموقف أعددته ...

وعند الله أحتسبه ...

لقد بايع الرسول صلّى الله عليه و سلّم ليلة العقبة (34) صغيرا ... ووفَّى له اليوم كبيرا ...

ولئن أمكنني من مسيلمة لأجعلنّ بناته يلطمن الخدود عليه ...

لم يبطء اليوم الذي تمنَّته نسيبة كثيرا ...

حيث أذَن مؤذِّن أبي بكر في المدينة أنْ حيَّ على قتال المتنبَّئ الكذَّاب مسيلمة ...

فمضى المسلمون يحثُّون الخطى إلى لقائه , وكان في الجيش نسيبة المازنيَّة وولدها عبد الله بن زيد .

_________________________________________________________

وفي يوم اليمامة الأغرِّ شوهدت نسيبة تشقُّ الصفوف كاللبؤة(35) الثائرة وهي تنادي :

أين عدوِّ الله ؟

دلُّوني على عدوِّ الله ...

فلما انتهت إليه وجدته مُجَدَّلا(36) على الأرض وسيوف المسلمين تنهل من دمائه , فطابت نفسا ...

وقرَّت عينا ...

ولم لا ؟!

ألم ينتقم الله جلَّ و عزَّ لفتاها البرِّ التقيّ من قاتله الباغي الشقي ؟!

بلى ...

لقد مضى كلّ منهما إلى ربِّه ولكن ...

فريق في الجنّة ...

و فريق في السَّعير ...

_________________________________________________________

للاستزادة من أخبار حبيب بن زيد انظر :

1- أسد الغابة : 1/443 أو الترجمة 1049 .

2- أنساب الأشراف 250 و 325 .

3- الطبقالت الكبرى : 4/316 .

4- السيرة النبوية لابن هشام (انظر الفارس) .

5- الإصابة : 1/306 أو الترجمة 1584 .

6- شهداء الإسلام في عهد النبوة للنشار .

حبيبُ بنُ زيد الأنصاريُ

 

(1) تتضوَّع طيوب الإيمان : تنتشر طيوب اللإيمان .

(2) العقبة : موضع في منىً بايع فيه المسلمون الأولون من أنصار النبي عليه الصلاة و السلام .

(3) ذياداً : دفاعاً .

(4) جعل نحره دون نحر النبي : النحر : أعلى الصدر , و جعل نحره دون نحر النبي : أي جعل نفسه فداءً له .

(5) النور الإلهي : أي الإيمان .

(6) الغرّ : جمع أغر و هو الكريم الأفعال .

(7) صلب عوده : قوي و اشتد ,

(8) الشوكة : القوة و البأس .

(9) حواشي المدينة : أطرافها .

(10) خلف على رحاله : ترك عند متاعه .

(11) أكرم وفادتهم : أكرم قدومهم عليه وأحسن ضيافتهم .

(12) العصبيّة : شدة ارتباط المرء بعصبيته و انحيازه لها .

(13) ربيعة : قبيلة كبيرة من قبائل العرب ينتمي إليها مسيلمة .

(14) مضر : قبيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(15) غلط أمره : اشتدّ أمره و كثر أتباعه .

(16) استشرى فساده : انتشر وازداد .                                       

(17) يزجره عن غيّه : ينهاه عن ضلاله .                                  

(18) الفتاء : الفتوة ..                                                         

(19) غير وانٍ : غير فاتر ولا ضعيف .                                    

(20) متريّث : متمهّل .                                                       

(21) النجاد : جمع نجد , وهو المكان المرتفع .                            

(22) الوهاد : جمع وهد , وهو المكتن المنخفض .

(23) قسمات الوجه : ملامحه .

(24) الطّواغيت : جمع طاغوت , وهو رأس الضلال , والمعبود من دون الله .

(25) يرسف في قيوده : يمشي بها ببطء لثقلها .

(26) الرمح السمهري : الرمح الصلب .

(27) مثقفو الرماح : مقوِّموها ومعدِّلوها .

(28) تميّز غيظا : تقطّع بسبب الغيظ .

(29) امتقع وجه مسيلمة : تغيّر لون وجهه .

(30) حنقا : غيظا .

(31) استوت : استقرّت .

(32) شاخصون بأبصارهم إليه : رافعون أبصارهم إليه .

(33) بضعا : جمع بضعة , وهي القطعة .

(34) ليلة العقبة : ليلة بيعة العقبة .

(35) اللبؤة : أنثى الأسد .

(36) مجدلا على الأرض : ملقى على الأرض .

مقالات ذات صلة :