• 20 تشرين الأول 2017
  • 3,022

سلسلة من نحب – صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم – (42) سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه :

(ما حدثكم حذيفة فصدقوه وما أقرأكم عبد الله بن مسعود فأقرؤوه)[حديث شريف]

(إن شئت كنت من المهاجرين ، و إن شئت كنت من الأنصار ، فاختر أحب الأمرين إلى نفسك)  بهذه الكلمات خاطب الرسول عليه الصلاة و السلام حذيفة بن اليمان حين لقيه أول مرة في مكة

ولتخيير حذيفة بن اليمان في الانتماء إلى أكرم فئتين و أحبهما إلى المسلمين قصة :

فاليمان أبو حذيفة مكي من بي عبس لكنه أصاب دماً (1) في قومه ، فاضطر إلى النزوح عن مكة إلى يثرب ، و هناك حالف بني عبد الأشهل ، و صاهرهم ، و ولد له ابنه حذيفة .

ثم زالت الموانع التي تحول دون اليمان و دون دخول مكة فجعل يتردد بينهما وبين يثرب ، ولكن أقامته كانت في المدينة أكثر و ألصق .

و لما أهلّ الإسلام بنوره على جزيرة العرب كان اليمان أبو حذيفة أحدَ عشرةٍ من بني عبس وفدوا على الرسول صلوات الله عليه و أعلنوا أسلامهم بين يديه ، و ذلك قبل أن يهاجر إلى المدينة ، و من هنا كان حذيفة مكي الأصل مدني النشأة .

نشأ حذيفة بن اليمان في بيت مسلم و ربي في كنف أبوين من السابقين إلى الدخول في دين الله ، فأسلم قبل أن تكتحل عيناه بمرأى رسول الله صلوات الله و سلامه عليه .

كان شوق حذيفة إلى لقاء الرسول يملأ جوانحه ، فهو ما زال منذ أسلم يتسقط (2) أخباره ، و يلح في السؤال عن أوصافه فلا يزيده ذلك إلا ولعاً به ، و حنيناً إليه .

فرحل إلى مكة ليلقاه ، فما أن رأى النبي حتى سأله : أمهاجر أنا أم أنصار يا رسول الله ؟ فقال عليه السلام : ( إن شئت كنت من المهاجرين ، و إن شئت كنت من الأنصار ، فاختر لنفسك ما تحب)

فقال : بل أنا أنصاري يا رسول الله .

ولمَّا هاجر الرسول عليه الصلاة و السلام إلى المدينة لازمه حذيفة ملازمة العين لأختها ، وشهد معه المواقع كلها إلا بدراً .

و لتخلف حذيفة عن بدرٍ قصة رواها بنفسه فقال : ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني كنت خارج المدينة أنا و أبي ، فأخذنا كفار قريش و قالوا : أين تقصدون ؟ فقلنا : المدينة ، فقالو : إنكم تريدون محمداً ، فقلنا : ما نريد إلا المدينة ، فأبوا أن يطلقونا إلا بعد أن أخذوا العهد علينا ألا ننصر محمداً عليهم و ألا نقاتل معه، ثم أطلقو سراحنا .

ولما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم أخبرناه بما قطعناه من عهد لقريش ، و سألناه ماذا نصنع ؟ فقال عليه الصلاة و السلام : (نفي بعهدهم و نستعين عليهم بالله) .

و لما كانت أُحد خاضها حذيفة مع أبيه اليمان ، أما حذيفة قابل فيها أعظم البلاء و أكرمه ، و خرج منها سالماً ، و أما أبوه فقد استشهد فيها ، و لكن استشهاده كان بسيوف المسلمين لا بسيوف المشركين ، ولذلك قصة نوردها فيما يلي :

لما كان يوم أُحد وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم اليمان و ثابت بن وقش في الحصون مع النساء و الصبيان، لأنهما كان شيخين كبيرين طاعنين في السن(3) فلما حمي وطيس المعركة (4) قال اليمان لصاحبه : لا أبا لك ، ما ننتظر ؟! فوالله ما بقي لواحد ما من عمره إلا بمقدار ما يظمأ(5) الحمار ، إنما نحن هام(6) اليوم أو غدٍ ، أفلا نأخذ سيفينا ، و دخلا في الناس و اقتحما المعركة . . .

أما ثابت بن وقشٍ فأكرمه الله بالشهادة على أيدي المشركين و أما اليمان والد حذيفة فتعاورته(7) سيوف المسلمين وهم لا يعرفونه ، و جعل حذيفة ينادي : أبي.... أبي.... فلا يسمعه أحد ، وخرّ الشيخ صريعاً بأسياف أصحابه ، فما زاد حذيفة على أن قال لهم : يغفر الله لكم ، و هو أرحم الرحمين .

_____________________________________________________

ثم أراد الرسول عليه الصلاة و السلام أن يعطي الابن ديَّة (8) أبيه ، فقال حذيفة : إنما هو طالب شهادة و قد نالها ، اللهم أشهد أن تصدّقت بديته على المسلمين ، فازداد بذلك منزلةً عند رسول الله صلى الله عليه و سلم .

سبر (9) الرسول صلوات الله و سلامه عليه غور حذيفة بن اليمان ، فتجلت له فيه خلال ثلاث : ذكاء فذُّ يسعفه في حلّ المعضلات ، و بديهة (10) مطاوعة تلبيه كلما دعاها ، و كتماً للسر فلا ينفذ إلى غوره أحد .

و كانت سياسة الرسول عليه الصلاة و السلام تقوم على اكتشاف مزايا أصحابه و الإفادة من طاقاتهم الكامنة من ذواتهم ، وذلك بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب .

و كانت أكبر مشكلة تواجه المسلمين في المدينة هي وجود المنافقين من اليهود و أشياعهم (11) وما يحيكونه للنبي عليه الصلاة و السلام و أصحابه من مكائد ودسائس .

فأفضى (12) النبي صلوات الله عليه لحذيفة بن اليمان بأسماء المنافقين - وهو سر لم يطلع عليه أحداً من أصحابه – وعهد أليه برصد حركاتهم ، و تتبع نشاطهم و درء خطرهم (13) عن الإسلام و المسلمين ، و منذ ذلك اليوم دعي حذيفة ابن اليمان ( بصاحب سرّ رسول الله صلى الله عليه و سلم) .

و قد استعان الرسول عليه الصلاة و السلام بمواهب حذيفة في موقف من أشد المواقف خطراً ، و أحوجها إلى الذكاء الفذ و البديهة المطاوعة ، و ذلك في ذروة غزوة الخندق حيث كان المسلمون قد أحاط بهم العدو من فوقهم و من تحتهم ، وطال عليهم الحصار ، و اشتد عليهم البلاء ، و بلغ منهم الجهد و الضنك (14) كل مبلغ ، حتى زاغت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر (15) و أخذ بعض المسلمين يظنون بالله الظنون .

و لم تكن قريش و أحلافها من المشركين في هذه الساعات الحاسمات بأحسن حالاً من المسلمين .

_____________________________________________________

فقد صبّ عليها الله عز و جل من غضبه ما أوهن قواها و زلزل عزائمها ، فأرسل عليها ريحاً صرصراً (16) تقلب خيامها و تكفأ (17) قدورها ، و تطفئ نيرانها و تقذف وجوهها بالحصاء ، و تسد عيونها وخياشيمها بالتراب .

في هذه المواقف الحاسمة من تاريخ الحروب يكون الفريق الخاسر هو الذي يئن أولاً ، و يكون الفريق الرابح هو الذي يضبط نفسه طرفة عين بعد صاحبه .

و من هنا احتاج الرسول عليه الصلاة و السلام لطاقات حذيفة بن اليمان و خبراته ، و عزم على أن يبعث به إلى قلب جيش العدو تحت جنح الظلام ليأتيه بأخباره قبل أن يبرم (18) أمراً

فلنترك لحذيفة الكلام ليحدثنا عن رحلة الموت هذه .

قال حذيفة : كنا في تلك الليلة صافّين قعوداً ، و أبو سفيان و من معه من مشركي مكة فوقنا ، و بنو قريظة من اليهود أسفل منا نخافهم على نسائنا و ذرارينا ، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أقوى ريحاً منها ، فأصوات ريحها مثل الصواعق ، و شدة ظلامها تجعل أحدنا ما يرى أصبعه . . .

فأخذ المنافقون يستأذنون الرسول عليه الصلاة و السلام ، و يقولون : إن بيوتنا مكشوفة للعدو - وما هي بمكشوفة – فما يستأذنه أحد منهم ألا أذن له و هم يتسللون حتى بقينا في ثلاثمائةٍ أو نحو ذلك

عند ذلك قام النبي عليه الصلاة و السلام و جعل يمر بنا واحداً واحداً حتى أتى إلي و ما علي شيء يقيني من البرد إلا مرط(19) لامرأتي ما يجاوز ركبتي

فاقترب مني و أنا جاثٍ على الأرض، وقال : (من هذا؟ ) .

فقلت : حذيفة ، قال : (حذيفة ؟) فتقاصرت إلى الأرض كراهية أن أقوم من شدة الجوع و البرد ، و قلت : نعم يا رسول الله ، فقال : (إنه كائن في القوم خبر فتسلل إلى عسكرهم و أتني بخبرهم . . .).

فخرجت و أنا من أشد الناس فزعاً و أكثرهم برداً ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم :

(اللهم احفظه من بين يديه ، ومن خلفه ، و عن يمينه و عن شماله ، و من فوقه و من تحته) .

فوالله ما تمت دعوة النبي عليه السلام حتى انتزع الله من جوفي كل ما أودعه فيه من خوفٍ و أزال عن جسدي كل ما أصابه من برد .

فلما وليت ناداني عليه الصلاة و السلام وقال : (يا حذيفة لا تحدثنّ(20) في القوم شيئاً حتى تأتيني)

فقلت : نعم ، و مضيت أتسلل في جنح الظلام حتى دخلت في جند المشركين و صرت كأني واحد منهم .

وما هو إلا قليل حتى قام أبو سفيان فيهم خطيباً وقال : يا معشر قريش إني قائل لكم قولاً أخشى أن يبلغ محمداً فلينظر كل رجل منكم من جليسه ، فما كان مني إلا أن أخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي و قلت : من أنت ؟ فقال : فلان بن فلان .

و هنا قال أبو سفيان : يا معشر قريش ، إنكم والله ما أصبحتم بدار قرار، لقد هلكت رواحلنا(21) و تخلت عنا بنو قريظة(22) ، و لقينا من شدة الريح ما ترون ، فارتحلوا فأني مرتحل ، ثم قام إلى جمله ففك عقاله ، وجلس عليه ، ثم ضربه فوثب قائماً . و لولا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرني ألا أحدث شيئاً حتى آتيه لقتلته بسهم .

عند ذلك رجعت إلى النبي عليه الصلاة و السلام فوجدته قائماً يصلي في مرط لبعض نسائه ، فلما رأني أدناني إلى رجليه و طرح علي طرف المرط فأخبرته الخبر ، فسر به سروراً شديداً وحمد الله و أثنى عليه  .

ظل حذيفة بن اليمان مؤتمناً على أسرار المنافقين ما امتدت به الحياة ، و ظل الخلفاء يرجعون إليه في أمرهم ، حتى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا مات أحد المسلمين يسأل : أحضر حذيفة للصلاة عليه ؟ فأن قالوا : نعم صلى  عليه ، و أن قالوا : لا ، شك فيه ، و أمسك عن الصلاة عليه.

و قد سأله ذات مرة : أفي عمالي أحد من المنافقين ؟ فقال : واحدٌ، فقال : دلني عليه ، فقال : لا أفعل ، قال حذيفة : لكن عمر ما لبث أن عزله كأنما هدي إليه .

و لعل قليلاً من الناس من يعلم أن حذيفة بن اليمان فتح للمسلمين "نهاوند" و الدينور ، و همذان و الري(23) و كان سبباً في جمع المسلمين على مصحف واحدٍ بعد أن كادوا يفترقون في كتاب الله .

و على الرغم من ذلك كله كان حذيفة بن اليمان شديد الخوف على نفسه من الله ، عظيم الخشية من عقابه .

فهو حين ثقل عليه مرض الموت جاءه بعض الصحابة في جوف الليل ، فقال : أي ساعة هذه ؟ فقالو : نحن قريب من الصبح فقال : أعوذ بالله من صباح يفضي(24) بي إلى النار . . . أعوذ بالله من صباح يفضي بي إلى النار. . .

ثم قال : أجئتم بكفنٍ ؟ قالوا : نعم . قال : لا تغالوا بالأكفان فإن يكن لي عند الله خير بدلت به خيراً ، و أن كانت الأخرى سلب مني . .

ثم جعل يقول : اللهم إنك تعلم أني كنت أحب الفقر على الغنى و أحب الذلة على العز و أحب الموت على الحياة .

ثم قال و روحه تفيض : حبيب جاء على شوقٍ ، لا أفلح من ندم . . .

رحم الله حذيفة بن اليمان فقد كان طرازاً فريداً من الناس .

_________________________________________________________

للاستزادة من أخبار حذيفة بن اليمان انظر :

1- الاستيعاب : 1، 276

2- الإصابة : 1، 317

3- الطبقات الكبرى : 1، 25

4- سير إعلام النبلاء : 2 ، 260

5- تهذيب التهذيب : 2، 219

6- صفة الصفوة : 1 ، 249

7- أسد الغابة : 1، 290

8- تاريخ الإسلام : 2، 152

9- المعارف : 114

10- النجوم الزاهرة : 1، 76 ،85 ، 102 .

حذيفة بن اليمان

 

(1) أصاب دماً : قتل قتيلاً

(2) يتسقط أخباره : يتتبعها و يبحث عنها

(3) طاعنين في السن : متقدمين في السن

(4) حمي وطيس المعركة : اشتدت

(5) ألا بمقدرا ما يظمأ الحمار : كناية عن قصر المدة لأن الحمار قليل الصبر على العطش

(6) هامة اليوم : كناية عن أنهم يموتون قريباً      

(7) تعاورته : تداولته وتتابعت عليه

(8) الدية : ما يؤدى لأهل القتيل

(9) سبر غوره : نفذ إلى أعماقه و اختبره

(10) البديهة : سرعة الفهم لاول وهلة

(11) أشياعهم : أنصارهم

(12) أفضى النبي لحيفة : أسر أليه و أخبرهم

(13) درء خطرهم : دفع خطرهم

(14) الضنك : الضيق و الشدة

(15) بلغت القلوب الحناجر : كناية عن شدة الضيق

(16) الريح الصرصر : الريح الشديدة التي تصر صراً

(17) تكفأ : تقلب

(18) قبل أن يبرم أمراً : قبل أن يتخذ قراراً

(19) المرط : كل ثوب غير مخيط من مئزر نحوه

(20) لا تحدثن : لا تفعلن

(21) رواحلنا : دوابنا

(22) بنو قريظة : قبيلة من قبائل يهود المدينة.

(23) نهاوند و الدينور و همذان و الري : مدن عظيمة في بلاد فارس

(24) يفضي بي : يوصلني

مقالات ذات صلة :