• 29 تشرين الأول 2017
  • 2,659

سلسلة من نحب – صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم – (45) سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه :

( أعلم أمتي بالحلال و الحرام معاذ بن جبل ) [سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم]

لما أشرقت جزيرة العرب بنو الهدى و الحق ، كان الغلام اليثربي(1) معاذ ابن جبل فتى يافعاً

وكان يمتاز بحدّة الذكاء ، و قوة العارضة(2) ، و روعة البيان و علوً الهمّة .

و كان إلى ذلك قسيماً وسيماً (3) أكحل العين جعد الشعر براق الثنايا ، يملأ عين مجتليه(4) و يملك عليه فؤاده .

أسلم الفتى معاذ بن جبل على يدي الداعية المكي مصعب بن عمير .

و في ليلة العقبة امتدت يده الفتية فصافحت يد النبي الكريم و بايعته . . .

فقد كان معاذ مع الرهط الاثنين و السبعين الذين قصدوا مكة ، ليسعدوا بلقاء رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و يشرفوا ببيعته ، و ليخطوا في سفر التاريخ أروع صفحةٍ و أزهاها . . . .

وما أن عاد الفتى من مكة إلى المدينة حتى كوّن هو ونفر صغير من لداته جماعة لكسر الأوثان ، و انتزاعها من بيوت المشركين في يثرب في السر أو في العلن . و كان من أثر حركة هؤلاء الفتيان الصغار أن أسلم رجل كبير من جالات يثرب ، هو عمرو بن الجموح (5) .

كان عمرو بن الجموح سيداً من سادات بني سلمة و شريفاً من أشرافهم .

وقد كان اتخذ لنفسه صنماً من نفيس الخشب كما كان يصنع الأشراف و كان شيخ بني سلمة يعنى بصنمه هذا أشدّ العناية فيجلله بالحرير و يضمخه(6) كل صباح بالطيب .

فقام الفتيان الصغار إلى صنمه تحت جنح الظلام و حملوه من مكانه ، و خرجوا به إلى خلف منازل بني سلمة ، و ألقوه في حفرةٍ كانت تجمع فيها الأقذار . . .

فلما أصبح الشيخ افتقد صنمه فلم يجده ، و بحث عنه في كل مكان حتى ألفاه مكبّا على وجهةٍ في الحفرة غارقاً في الأقذار فقال : ويلكم من عدا على إلهنا في هذه الليلة ؟! .

ثم أخرجه و غسله ، وطهره و طيبه و أعاده إلى مكانه ، و قال له :

أي (مناة)(7) ، والله لو أني أعلم من صنع بك هذا لأخزيته . . .

فلما أمسى الشيخ و نام تسلل الفتية إلى صنمه و فعلوا به ما فعلوه في الليلة السابقة . .

فما زال يبحث عنه حتى وجده في حفرة أخرى من تلك الحفر . . .

فأخرجه و غسله و طهره و عطره و توعد(8) من عدوا عليه أشد الوعيد . . .

فلما تكرر ذلك منهم استخرجه من حيث ألقوه و غسله . .

ثم جاء بسيفه فعلقه عليه و قال يخاطبه :

والله إني ما أعلم من يفعل بك هذا الذي تراه . . .

فإن كان فيك خير فادفع عن نفسك . .

وهذا السيف معك . . .

فلما أمسى الشيخ و نام ، عدا الفتية على الصنم ، و أخذوا السيف المعلق في رقبته . . .

و ربطوه بعنق كلب ميت و ألقوهما في حفرة من تلك الحفر ، فلما أصبح الشيخ جد في طلب صنمه حتى وجده ملقى بين الأقذار مقروناً بكلب ميت منكساً على وجهه .

عند ذلك نظر إليه و قال :

تالله لو كنت إلهاً لما تكن أنت و كلب وسط بشر في قرن(9)

ثم أسلم شيخ بني سلمة وحسن إسلامه

ولما قدم الرسول الكريم على المدينة مهاجراً ، لزمه الفتى معاذ بن جبل ملازمة الظل لصاحبه ، فأخذ عنه القرآن ، و تلقى عليه الشرائع الإسلامية حتى غدا من أقرئ الصحابة لكتاب الله و أعلمهم بشرعه . . .

حدث يزيد بن قطيب قال : دخلت مسجد حمص فإذا أنا بفتى جعد الشعر(10) قد اجتمع حوله الناس .

فإذا تكلم كأنما يخرج من فيه نور و لؤلؤ .

فقلت : من هذا ؟!

فقال : معاذ بن جبل .

و روى أبو مسلم الخولاني (11) قال : أتيت مسجد دمشق ، فإذا حلقة (12) فيها كهول من أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم .

و إذا شاب فيهم أكحل العين براق الثنايا ، كلما اختلفوا في شيء ردوه إلى الفتى ، فقلت لجليس لي :

من هذا ؟!

فقال : معاذ بن جبل

ولا غرو(13) فمعاذ ربي في مدرسة الرسول صلوات الله و سلامه عليه منذ نعوم الأظفار(14) و تخرج على يديه فنهل العلم من ينابيعه الغزيرة .

و أخذ المعرفة من معينها الأصيب ، فكان خير تلميذ لخير معلمٍ.

_________________________________________________________

و حسبُ (15) معاذَ شهادةُ أن يقول عنه الرسول صلوات الله عليه :

(أعلم أمّتي بالحلال و الحرام معاذ بن جبل) ، و حسبه فضلاً على أمة محمد أنه كان أحد النفر الستة الذين جمعوا القرآن على عهده رسول الله صلوات الله و سلامه عليه .

و لذا كان أصحاب الرسول إذا تحدثوا و فيهم معاذ بن جبل نظروا إليه هيبة له و تعظيماً لعلمه .

و قد وضع الرسول الكريم وصاحباه من بعده هذه الطاقة العلمية الفريدة في خدمة الإسلام و المسلمين .

فهذا هو النبي عليه الصلاة و السلام يرى جموع قريش تدخل في دين الله أفواجاً ، بعد فتح مكة.

و يشعر بحاجة المسلمين الجدد إلى معلم كبير يعلمهم الإسلام و يفقههم بشرائعه فيعهد بخلافته على مكة لعتاب بني أسيد ، ويستبقي معه معاذ ابن جبل ليعلم الناس القرآن و يفقهم في دين الله .

ولما جاءت رسل ملوك اليمن إلى رسول الله صلوات الله عليه ، تعلن إسلامها و إسلام من ورائها ، و تسأله أن يبعث معها من يعلم الناس دينهم انتدب لهذه المهمة نفراً من الدعاة الهداة من أصحابه و أمَّر عليهم معاذ بن جبل رضي الله عنه .

و قد خرج النبي الكريم صلوات الله و سلامه عليه يودع بعثة الهدى و النور هذه . . .

و طفق يمشي تحت راحلة معاذ و معاذ راكب . . .

و أطال الرسول الكريم مشيه معه ، حتى كأنه كان يريد أن يتملّى من معاذ . . .

ثم أوصاه و قال له : (يا معاذ إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا. . . و لعلك أن تمر بمسجدي و قبري . . .)

فبكى معاذ جزعاً لفراق نبيه و حبيبه محمد صوات الله عليه ، و بكى معه المسلمون .

و صدقت نبوءة الرسول الكريم فما اكتحلت عينا معاذ رضي الله عنه برؤية النبي عليه الصلاة و السلام بعد تلك الساعة . . .

فقد فارق الرسول الكريم الحياة قبل أن يعود معاذ من اليمن .

_________________________________________________________

و لا ريب في أن معاذاً بكى لما عاد إلى يثرب فألفاها(16) قد أقفرت من أُنس حبيبه رسول الله .

ولما ولي الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أرسل معاذاً إلى بني كلاب ليقسم فيهم أعطياتهم و يوزع على فقرائهم صدقات أغنيائهم ، فقام بما عهد إليه من أمرٍ ، وعاد إلى زوجه بحلسه (17) الذي خرج به يلفه على رقبته

فقالت له امرأته : أين ما جئت به مما يأتي به الولاة من هدية لأهليهم ؟! .

فقال : لقد كان معي رقيب يقظ يحصي علي (18) ، فقالت :

قد كنت أميناً عند رسول الله ، و أبي بكرٍ ، ثم جاء عمر فبعث معك رقيباً يحصي عليك ؟ ! ! .

و أشاعت ذلك في نسوة عمر ، واشتكته لهنّ . . .

فبلغ ذلك عمر ، فدعا معاذاً وقال : أأنا بعثت معك رقيباً يحصي عليك ؟! .

فقال : لا يا أمير المؤمنين ، ولكنني لم أجد شيئاً اعتذر به إليها إلا ذلك . . .

فضحك عمر رضوان الله عليه ، و أعطاه شيئاً وقال له :

أرضها به . . .

وفي أيام الفاروق أرسل إليه واليه على الشام يزيد بن أبي سفيان يقول :

يا أمير المؤمنين ، إن أهل الشام قد كثروا و ملؤوا المدائن ، و احتاجوا إلى  من يعلمهم القرآن و يفقههم بالدين فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم ، فدعا عمر النفر الخمسة الذين جمعوا القرآن في زمن النبي عليه الصلاة و السلام .

و هم : معاذ بن جبل و عبادة بن الصامت و أبو أيوب الأنصاري (19) و أُبيّ بن كعب و أبو الدرداء (20) وقال لهم :

_________________________________________________________

إن أخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلمهم القرآن و يفقههم في الدين فأعينوني بثلاثة منكم ، فإن أحببتم فاقترعوا و إلا انتدبت ثلاثة منكم .

فقالوا : و لم نقترع ؟

فأبو أيوب شيخ كبير ، و أُبيّ رجل مريض ، و بقينا نحن الثلاثة ، فقال عمر :

ابدؤوا بحمص فإذا رضيتم حال أهلها ، فخلفوا أحدكم فيها و ليخرج واحد منكم إلى دمشق و الآخر إلى فلسطين .

وهناك أصيب معاذ بالوباء .

فلما حضرته الوفاة استقبل القبلة و جعل يردد هذا النشيد :

مرحباً بالموت مرحباً . . .

زائر جاء بعد غياب . . .

و حبيب وفد على الشوق . . .

ثم جعل ينظر إلى السماء و يقول :

اللهم إنك كنت تعلم أني لم أكن أحب الدنيا و طول البقاء فيها لغرس الأشجار و جري الأنهار .

ولكن لظمأ الهواجر ، ومكابدة الساعات ، و مزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر . . .

اللهم فتقبل نفسي بخير ما تتقبل به نفساً مؤمنةً .

ثم فاضت روحه الطاهرة بعيداً عن الأهل و العشير داعياً إلى الله ، مهاجراً في سبيله .

_________________________________________________________

(*) للاستزادة من أخبار معاذ بن جبل انظر :

1- الإصابة : 3 ، 406

2- الاستيعاب : تحقيق البجاوي : 3 ، 1403

3- أسد الغابة : 4 ، 374

4- سير أعلام النبلاء : 1 ، 318

5- الطبقات الكبرى : 3 ، 583

6- حلية الأولياء : 1 ، 228

7- صفة الصفوة : 1، 195

8- تهذيب الأسماء و اللغات : 2 ، 98

9 – تاريخ الإسلام الذهبي : 2 ، 24

10- الجمع بين رجال الصحيحين : 2 ، 487

11- سير أعلام النبلاء : 1، 318

12- البداية و النهاية : 7، 94 .

13- دول الإسلام : 1،5

14- تهذيب التهذيب : 10، 186

15- وفيات الأعيان

16- جمهرة الأولياء : 2 ، 48

17- طبقات فقهاء اليمن : 44

18- البدء و التاريخ : 5 ، 117

19- الزهد لأحمد بن حنبل : 180

20- تذكرة الحفاظ : 1 ، 19

21- المعارف لابن قتيبة : 1 ، 111

22- أصحاب بدر (منظومة للشيخ حسين الغلامي) : 204

23- حياة الصحابة (انظر الفهارس في الرابع)

معاذ بن جبل

 

(1) اليثربي : نسبة إلى يثرب ، و هي المدينة المنورة

(2) قوة العارضة : قوة البديهة و روعة البيان

(3) قسيماً وسيماً : بهي الطلعة جميل الملامح

(4) مجتليه : الناظر أليه

(5) انظر سيرة عمرو بن الجموح في ص73

(6) يضمخه : يدهنه و يطيبه .

(7) أي مناة : يا مناة، وهو اسم صنمه

(8) توعده : أنذره بالشر

(9) في قرن : أي مربوطاً معه في حبل واحد

(10) جعد الشعر : ذو شعر أجعد وضده : سط الشعر

(11) أبو مسلم الولاني : أحد كبار التابعين من اليمن

(12) الحلقة : مجلس العلم ، كانوا يتحلقون في هذه المجالس حول الشيخ

(13) لا غرو : لا عجب

(14) نعومة الاظفار : كناية عن صغر السن لأن الصغير تكون أظفاره ناعمة

(15) حسب معاذ شهادة : يكفيه شهادة

(16) فألفاها : فوجدها

(17) الحلس : ما يوضع على ظهر الدابة تحت السرج

(18) يريد بالرقيب الله جل و عز على سبيل التورية

(19) انظر سيرته في ص 64

(20) انظر سيرته في ص203

 

مقالات ذات صلة :