• 25 تشرين الثاني 2017
  • 1,594

سلسلة من نحب – صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم – (54) سيدنا سلمة بن قيس الأشجعي رضي الله عنه :

قضى الفاروق ليلته تلك سهران يعسّ(1) في أحياء المدينة لينام الناس ملء جفونهم أمنين مطمئنين .

و كان خلال تطوافه بين الدور و الأسواق يستعرض في ذهنه الأنجاد(2) الأمجاد من صحابة رسول الله ليعقد (3) لواحدٍ منهم الراية على الجيش الذاهب لفتح الأهواز(4) . . .

ثم ما لبث أن هتف قائلاً ظفرت به . . . نعم ظفرت به إن شاء الله . . .

و لما طلع عليه الصباح دعى سلمة بن قيسٍ الأشجعيّ و قال له :

إني وليتك على الجيش المتوجه إلى الأهواز ، فسر باسم الله ، وقاتل في سبيل الله من كفر بالله و إذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى الإسلام ، فإن أسلموا : فإما أن يختاروا البقاء في ديارهم و لا يشتركوا معكم في حرب غيرهم فليس عليهم إلا الزكاة ، و ليس لهم في الفيء(5) نصيب .

و إما أن يختاروا أن يقاتلوا معكم فلهم مثل الذي لكم ، و عليهم مثل الذي عليكم .

فإن أبوا الإسلام فادعوهم إلى إعطاء الجزية(6) ، و دعوهم و شأنهم ، و احموهم من عدوهم ، ولا تكلفوهم فوق ما يطيقون .

فإن أبوا فقاتلوهم ، فإنّ الله ناصركم عليهم .

و إذا تحصّنوا بحصن ، ثم طلبوا منكم أن ينزلوا على حكم الله و رسوله فلا تقبلو منهم ذلك ، فإنكم لا تدرون ما حكم الله و رسوله

وإذا طلبوا منكم أن ينزلوا على ذمة الله و رسوله فلا تعطوهم ذمة الله و رسوله ، إنما أعطوهم ذممكم أنتم . . .

فإذا ظفرتم في القتال فلا تسرفوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثّلوا ، و لا تقتلوا وليداً . . .

فقال سلمة : سمعاً وطاعاً يا أمير المؤمنين . . .

فودعه عمر بحرارةٍ ، و شد على يديه بقوةٍ ، و دعا له بضراعةٍ .

فلقد كان يقدر ضخامة المهمة التي ألقاها على عاتقه و عاتق(7) جنوده .

ذلك لأن الأهواز منطقة جبلية وعرة المسالك ، حصينة المعاقل ، واقعة بين البصرة و تخوم فارس ، يسكنها قوم أشداء من الأكراد .

ولم يكن للمسلمين بدّ من فتحها أو السيطرة عليها ليحموا ظهورهم من هجمات الفرس على البصرة ، و يمنعوهم من اتخاذها ميداناً لجنودهم فتتعرض سلامة العراق و أمنه للخطر . . .

مضى سلمة بن قيس على رأس جيشه الغازي في سبيل الله ، غير أنهم ما كادوا يتوغّلون(8) قليلاً في أرض الأهواز حتى دخلوا في صراع مرير مع طبيعتها العصية .

فقد طفق الجيش يعاني من جبالها النخرة و هو مصعد(9) و يكابد من مستنقعاتها الموبوءة و هو مسهل (10) .

و يصارع أفاعيها القاتلة و عقاربها السامة يقظان نائماً .

لكن روح سلمة بن قيس المؤمن الشفّافة كانت ترفرف بأجنحتها فوق جنده فإذا العذاب عذب و إذا الحزن(11) سهل .

فلقد كان يتخولهم (12) بالموعظة التي تهز نفوسهم هزّاً .

و يترع (13) لياليهم بأرج القرآن (14) . . .

فإذا هم مغمورون بضيائه . . .

سابحون في لآلئه . . .

ناسون ما مسهم من عناء ونصب . . .

امتثل سلمة بن قيس لأمر خليفة المسلمين ، فما إن التقى بأهل الأهواز حتى عرض عليهم الدخول في دين الله فأعرضوا و نفروا . . .

فدعاهم إلى إعطاء الجزية فأبوا و استكبروا . . .

فلم يبق أمام المسلمين غير ركوب الأسنّة (15) ، فركبوها مجاهدين في سبيل الله ، راغبين بما عنده من حسن الثّواب . .

دارت المعارك حامية اللظى مستطيرة الشرر ، و أبدى فيها الفريقان من ضروب البسالة ما لم تشهد له الحروب نظيراً إلا في القليل النادر .

ثم ما لبثت أن انجلت المعارك عن نصر مؤزّرٍ(16) للمؤمنين المجاهدين لإعلاء كلمة الله ، و هزيمةٍ منكرةٍ للمشركين أعداء الله .

و لما وضعت الحرب أوزارها(17) ، بادر سلمة بن قيس إلى قسمة الغنائم بين جنوده .

فوجد فيها حلية نفيسة ، فأحب أن يتحف(18) بها أمر المؤمنين ، فقال لجنوده :

إنّ هذه الحلية لو قسمت بينكم لما فعلت معكم شيئاً . . .

فهل تطيب أنفسكم إذا بعثنا بها إلى أمير المؤمنين ؟

فقالوا : نعم .

فجعل الحلية في سفط(19) ، و ندب رجلاً من قومه بني أشجع و قال له :

امض إلى المدينة أنت وغلامك ، و بشّر أمير المؤمنين بالفتح ، و أطرفه(20) بهذه الحلية .

فكان للرجل الأشجعيّ مع عمر بن الخطاب خبر فيه عبر وعظات . . .

فلنترك الكلام له ليوري لنا خبره بنفسه .

قال الرجل الأشجعيّ : مضيت أنا وغلامي إلى البصرة فاشترينا راحلتين مما أعطانا سلمة بن قيس ، و أوقرناهما زاداً (21) .

ثم يممنا وجهينا شطر(22) المدينة ، فلما بلغناها ، نشدت (23) أمير المؤمنين فوجدته واقفاً يغدّي المسلمين و هو متكئ على عصاه كما يصنع الراعي و كان يدور على القصاع و هو يقول لغلامه يرفأ :

يا يرفأ زد هؤلاء لحماً . . .

يا يرفأ زد هؤلاء خبزاً . . .

يا يرفأ زد هؤلاء مرقاً . . .

فلما أقبلت عليه قال : اجلس .

فجلست في أدنى الناس و قدم لي الطعام فأكلت .

فلما فرغ الناس من طعامهم قال : (يا يرفأ) ارفع قصاعك .

ثم مضى فتبعته .

فلما دخل داره استأذنت عليه فأذن لي فإذا هو جالس على رقعة من شعر ، متكئ على وسادتين من جلد محشوتين ليفاً ، فطرح لي أحداهما فجلست عليها .

و إذا خلفه ستر فالتفت نحو الستر وقال : يا أم كلثوم غداءنا(24) . . .

فقلت في نفسي : ماذا عسى أن يكون طعام أمير المؤمنين الذي خص به نفسه ؟!

فناولته خبزةً بزيتٍ عليها ملح لم يدق . . .

فالتفت إلي وقال : كل ، فامتثلت و أكلت قليلاً .

و أكل هو ، فما رأيت أحداً أحسن منه أكلاً .

ثم قال : اسقونا فجاءوه بقدح فيه شراب من سويق (25) الشعير فقال :

أعطوا الرجل أولاً ، فأعطوني .

فأخذت القدح فشربت منه قليلاً ، إذ كان سويقي أطيب منه و أجود ثم أخذه فشرب منه حتى روي ثم قال : الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا و سقانا فأروانا .

عند ذلك التفت إليه و قلت : جئتك برسالة يا أمير المؤمنين .

فقال : من أين ؟

فقلت : من عند سلمة بن قيسٍ .

فقال : مرحباً بسلمة بن قيسٍ ، و مرحباً برسوله . . .

حدّثني عن جيش المسلمين . . .

فقلت : كما تحب يا أمير المؤمنين . . . السامة ’ و الظفر على عدوهم و عدو الله .

و بشّرته بالنصر و أخبرته خبر الجيش جملةً و تفصيلاً .

فقال : الحمدلله . . . أعطى فتفضل ، و أنهم فأجزل(26)

ثم قال : هل مررت بالبصرة ؟

فقلت : نعم يا أمير المؤمنين .

فقال : كيف المسلمون ؟

فقلت : بخير من الله

فقال : كيف الأسعار ؟

فقلت : أسعارهم أرخص أسعارٍ

فقال : و كيف اللحم ؟ فإن اللحم شجرة العرب ، و لا تصلح العرب إلا بشجرتها .

فقلت : اللحم كثير وفير

فالتفت إلى السفط الذي معي وقال : ما هذا الذي بيدك ؟!

فقلت : لما نصرنا الله على عدونا جمعنا الغنائم فرأى سلمة فيها حليةً ، فقال للجند : إن هذه لو قسمت عليكم لما بلغت منكم شيئاً . . . فهل تطيب نفوسكم إذا بعثت بها لأمير المؤمنين ؟

فقالوا : نعم .

ثم دفعت إليه بالسفط . . .

فلما فتحه و نظر إلى الفصوص(27) التي فيه بين أحمر و أصفر و أخضر ، وثب من مجلسه ، و جعل يده في خاصرته و ألقى بالسفط على الأرض فانتثر ما فيه ذات اليمين و ذات الشمال .

فظن النساء أني أريد اغتياله ، فأقبلن نحو الستر . . . ثم التفت إليّ

وقال : اجمعه . . .

و قال لغلامه يرفأ : اضربه و أوجعه . . .

فجعلت أجمع ما انتثر من السفط ، و يرفأ يضربني .

ثم قال : قم غير محمود لا أنت ولا صاحبك .

فقلت : إئذن لي بمركب يحملني أنا وغلامي إلى الأهواز ، فقد أخذ

غلامك راحلتي .

فقال : يا يرفأ أعطه راحلتين من إبل الصدقة له ولغلامه .

ثم قال لي : إذا قضيت حاجتك منهما ،  و وجدت من هو أحوج لهما منك فادفعهما إليه .

قلت : أفعل يا أمير المؤمنين . . . نعم أفعل إن شاء الله .

ثم التفت إلي و قال : أما والله لئن تفرّق الجند قبل أن يقسم فيهم هذا الحلي لأفعلنّ بك و بصاحبك الفاقرة(28) .

فمضيت من توي حتى أتيت سلم وقلت : ما بارك الله لي فيما اختصصتني به . . .

اقسم هذا الحليّ في الجند قبل أن تحل بي وبك داهيةٌ(29) .

و أخبرته الخبر . . .

فما غادر مجلسه ألا بعد أن قسمه فيهم (*).

_________________________________________________________

(*) للاستزادة من أخبار سلمة بن قيس الأشجعي انظر :

1- الإصابة : 2، 7

2- الاستيعاب بهامش الإصابة : 2 ، 89

3- أسد الغابة : 2، 432

4- تهذيب التهذيب : 4 ، 154

5- معجم البلدان 1، 284 عند الكلام عن الاهواز .

6- حياة الصحابة : 1 ، 341

7- قادة فتح فارس لمحمود شيت خطاب

سلمة بن قيس الأشجعي

 

(1) العس : السهر في الليل للحراسة.

(2) الأنجاد : أصحاب النجدة و المروءة.

(3) عقد الراية لفلان على الجيش : جعله قائداً له.

(4) الأهواز : منطقة تقع في غربي إيران.

(5) الفيء : ما يغنمه المسلمون من غنائم الحرب .

(6) الجزية : ما يفرضه المسلمون على أهل الذمة من المال لقاء حمايتهم.

(7) العاتق : الكتف .

(8) يتوغلون : يدخلون بعيداً.

(9) مصعد : صاعد.

(10) مسهل : سائر في السهل.

(11) الحزن : الوعر.

(12) يتخولهم بالموعظة : يتعهدهم بالموعظة حيناً بعد حين.

(13) يترع : يملأ.

(14) أرج القرآن : عطر القرآن و شذاه.

(15) ركوب الأسنة : كناية عن الحرب.

(16) نصر مؤزر : نصر مبين.

(17) وضعت الحرب أوزارها : انتهت توقفت.

(18) يتحف بها أمير المؤمنين : يقدم له ما يجده بديعاً طريفاً.

(19) السفط : صندوق صغير.

(20) أطرفه : أتحفه.

(21) أوقرناهما زاداً : حملناهما طعاماً و غيره مما يتزود به المسافر.

(22) يممنا وجهينا شطر المدينة : وجهنا وجهينا جهة المدينة.

(23) نشدت أمير المؤمنين : طلبته وبحثت عنه.

(24) غداءنا : أي أعطنا غداءنا.

(25) سويق الشعير : نقيع الشعير.

(26) أجزل : أكثر.

(27) الفصوص : الأحجار الكريمة التي توضع في الحلي.

(28) الفاقرة :الداهية الشديدة كأنها تكسر فقار الظهر.

(29) داهية : مصيبة.

مقالات ذات صلة :