• 26 تشرين الثاني 2017
  • 1,657

سلسلة من نحب – صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم – (55) سيدنا عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه :

هذا رسولُ الله صلى عليه و سلم، يَبْلُغُ مشارفَ(1) يَثْرِبَ، بعد طولِ لَهْفَةٍ وتَرَقُّبٍ ..

وها هم أولاء أَهلُ المدينةِ الطَيِّبةِ، يَتَزاحَمون في الدُّروبِ و فَوْقَ سٌطوحِ البُيوتِ، مُهَلِّلين(2) مكّبرين فَرَحاً بلقاءِ نبيّ الرَّحْمَةِ و صاحِبه الصِّدِّيق ... وهاهُنَّ صبايا المدينة الصغيرات يخرُجْنَ وفي أَيْدِيهنَّ الدُّفُوفُ، وفي عيونهنَّ الشَّوْقُ مٌزَغْرِداتٍ مُرَدِّداتٍ :

أَقْـــبَلَ الَبدْرُ عَلَيْنا         منْ ثَنِيَّاتِ الوَداعْ

وجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنا        ما دعـــــا لِلَه داعْ

وهذا مَوْكِبُ الرسولِ الكريمِ يَتَهادَى(3) بَينَ الصُّفُوفِ، تَحُفُّه المُهَجُ المُشتاقَةُ، وتَحُوطُه الأفئدَةُ التَّوَّاقَة، و تُنثَرُ حَوَالَيه دُمُوعُ الفَرَحِ، و بَسَماتُ السُّرُورِ .

لكنَّ عُقبَةَ بنَ عامِرٍ الجُهَنِيَّ لم يَشهَد مَوكِبَ رسَوُلِ اللهِ صَلَواتُ اللهِ عليه ولم يسعد باستقبالهِ مع المستقبلين .

ذلك، لأنَّه كان قد خرج إلى البوادي بغنيماتٍ له . ليرعاها هناك، بعد أن اشتدَّ عليها السَّغب(4) و خاف عليها الهلاك، وهي كلُّ ما يملك من حطام(5) الدُّنيا .

لكنَّ الفرحة التي غمرت المدينة المنوَّرة ما لبثت أن عمَّت بواديها القريبة و البعيدة وأشرقت في كل بقعةٍ من بقاعها الطَّيِّبة، و بلغت تباشيرها عقبة بن عامرٍ الجهنيَّ، وهو مع غنيماته بعيداً في الفلوات .

فلنترك الكلام لعقبة بن عامرٍ ليروي لنا قصَّة لقائه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال عقبة : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا في غنيمةٍ لي أرعاها، فما إن تناهى(6) إليَّ خبر قدومه حتَّى تركتها ومضيت إليه لا ألوي على شيء(7)، فلمَّا لقيته قلت : تبايعني يا رسول الله؟! ________________________________________

قال : (فمن أنت؟) قلت : عقبة بن عامرٍ الجهنيُّ، قال : (أيما أحبُّ إليك: تبايعني بيعةً أعرابية أو بيعة هجرةٍ؟ )

قلت : بل بيعة هجرةٍ، فبايعني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما بايع عليه المهاجرين، و أقمت معه ليلة ثم مضيت إلى غنمي .

وكنا اثني عشر رجلاً ممن أسلموا نقيم بعيداً عن المدينة لنرعى أغنامنا في بواديها .

فقال بعضنا لبعضٍ : لا خير فينا إذا نحن لم نقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد يومٍ، ليفقهنا في ديننا، ويسمعنا ما ينزل عليه من وحي السماء، فليمض كل يومٍ واحدٌ منَّا إلى يثرب وليترك غنمه لنا فنرعاها له .

فقلت : اذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم واحداً بعد آخر على وليترك لي الذاهب غنمه ؛ لأني كنت شديد الإشفاق(8) على غنيمتي من أن أتركها لأحد .

ثم طفق أصحابي يغدو(9) الواحد منهم بعد الآخر على رسول الله صلى الله عليه  وسلم، و يترك لي غنمه أرعاها له، فإذا جاء، أخذت منه ما سمع، وتلقَّيت عنه ما فقه، لكنَّني ما لبثت أن رجعت إلى نفسي و قلت : ويحك ! أمن أجل غنيماتٍ لا تسمن ولا تغني تفوِّت على نفسك صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخذ عنه مشافهةً من غير واسطة؟! ثم تخلَّيت عن غنيماتي، و مضيت إلى المدينة لأقيم في المسجد بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لم يكن عقبة بن عامر الجهنيُّ يخطر له على بالٍ - حين اتَّخذ هذا القرار الحاسم الحازم - أنَّه سيغدو بعد عقدٍ من الزَّمان عالماً من أكابر علماء الصَّحابة، و قارئاً من شيوخ القَّراء و قائداً من قواد الفتح المرموقين، ووالياً من ولاة الإسلام المعدودين، ولم يكن يتخيَّل - مجرَّد تخيُّلٍ - وهو يتخلَّى عن غنيماته،  ويمضي إلى الله ورسوله أنه سيكون طليعة الجيش الذي يفتح أمَّ الدنيا دمشق، و يتخذ لنفسه داراً بين رياضها النضرة عند ( باب توما )(10) .

ولم يكن يتصور - مجرد تصوًّر - أنه سيكون أحد القادة الذين سيفتحون زمرُّدة الكون الخضراء مصر، و أنَّه سيغدو والياً عليها، و يختطُّ لنفسه داراً في سفح جبلها (المقطَّم ) ؛ فتلك كلُّها أمورٌ مستكنَّةٌ(11) في ضمير الغيب، لا يعلمها إلا الله .

لزم عقبة بن عامرٍ الجهنيُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوم الظِّلِّ لصاحبه، فكان يأخذ له بزمام بغلته أينما سار، و يمضي بين يديه أنَّى اتجَّه، وكثيراً ما أردفه(12) رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه، حتى دعي برديف رسول الله، وربَّما نزل له النبيُّ الكريم عن بغلته ليكون هو الذي يركب، و النبي عليه الصلاة و السلام هو الذي يمشي .

حدَّث عقبة قال : كنت آخذ بزمام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غاب(13) المدينة، فقال لي : ( يا عقبة، ألا تركب؟! ) فهممت أن أقول : لا ؛ لكنَّي أشفقت أن يكون في ذلك معصيةٌ لرسول الله، فقلت : نعم يا نبي الله، فنزل الرسول عن بغلته وركبت أنا امتثالاً لأمره وجعل هو يمشي، ثم ما لبثت أن نزلت عنها، وركب النبُّي عليه الصلاة و السلام، ثم قال لي : ( يا عقبة ألا أعلِّمك سورتين لم ير مثلهنَّ قطُّ؟ ) فقلت : بلى يا رسول الله، فأقرأني : (قل أعوذ بربِّ الفلق ) و (قل أعوذ بربِّ الناس )، ثم أقيمت الصلاة فتقدَّم و صلَّى بهما، وقال : (اقرأهما كلَّما نمت و كلَّما قمت) .

قال عقبة : فما زلت أقرؤهما ما امتدَّت بي الحياة .

ولقد جعل عقبة بن عامرٍ الجهنيُّ همَّه(14) في أمرين اثنين : العلم والجهاد و انصرف إليهما بروحه و جسده، و بذل لهما من ذاته أسخ البذل، وأكرمه .

أما في مجال العلم فقد جعل يعبُّ من مناهل رسول الله الثرَّة(15) العذبة حتى غدا مقرئاً، محدِّثاً، فقيهاً، فرضياً(16)، أديباً، فصيحاً، شاعراً .

وكان من أحسن النّاس صوتاً بالقرآن، و كان إذا ما سجا(17) الليل وهدأ الكون انصرف إلى كتاب الله يقرأ من آياته البيَّنات، فتصغي لترتيله أفئدة الصحابة الكرام، و تخشع له قلوبهم وتفيض عيونهم بالدمع من خشية الله .

_______________________________________

وقد دعاه عمر بن الخطَّاب يوماً فقال : اعرض علي شيئاً من كتاب الله يا عقبة، فقال سمعاً يا أمير المؤمنين، ثم جعل يقرأ له ما تيسَّر من آي الذِّكر الحكيم، و عمر يبكي حتَّى بلَّلت دموعه لحيته .

و قد ترك عقبة مصحفاً مكتوباً بخطِّ يده، وبقي مصحفه هذا إلى عهدٍ غير بعيد موجوداً في مصر في الجامع المعروف بجامع عقبة بن عامرٍ و قد جاء في آخره : ( كتبه عقبة بن عامرٍ الجهني ) .

و مصحف عقبة هذا من أقدم المصاحف التي وجدت على ظهر الأرض لكنَّه فقد في جملة ما فقد من تراثنا الثمين، ونحن عنه غافلون .

وأما في مجال الجهاد فحسبنا أن نعلم أنَّ عقبة بن عامرٍ الجهنيِّ شهد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم أُحداً و ما بعدها من المغازي، و أنّه كان أحد الكماة الأشاوس المغاوير، الذين أبلوا يوم فتح دمشق أعزَّ البلاء وأعظمه، فكافأه أبو عبيدة بن الجراح على حسن بلائه بأن بعثه بشيراً إلى عمر بن الخطاب في المدينة ليبشره بالفتح، فظلَّ ثمانية أيَّام بلياليها من الجمعة إلى الجمعة يغذُّ السير دون انقطاعٍ، حتى بشَّر الفاروق بالفتح العظيم .

ثم إنَّه كان أحد قادة جيوش المسلمين التي فتحت مصر، فكافأه أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان بأن جعله والياً عليها ثلاث سنين، ثم وجَّهه لغزو جزيرة رودس في البحر الأبيض المتوسِّط . و قد بلغ من ولع عقبة بن عامرٍ الجهنيِّ بالجهاد، أنه وعى أحاديث الجهاد في صدره، و اختصَّ بروايتها للمسلمين، وأنه دأب على حذق الرِّماية حتى إنَّه إذا أراد أن يتلهَّى تلهَّى بالرَّمي .

ولما مرض عقبة بن عامرٍ الجهنيُّ مرض الموت - وهو في مصر - جمع بنيه فأوصاهم فقال : يا بنيَّ أنهاكم عن ثلاث فاحتفظوا بهنَّ : لا تقبلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إلَّا من ثقةٍ، ولا تستدينوا ولو لبستم العباء(18)، ولا تكتبوا شعراً فتشغلوا به قلوبكم عن القرآن .

و لما أدركته الوفاة، دفنوه في سفح المقّطم(19) ثم انقلبوا إلى تركته يفتِّشونها، فإذا هو قد خلَّف بضعاً وسبعين قوساً، مع كلِّ قوسٍ قرنٌ ونبالٌ، وقد أوصى بهنَّ أن يجعلن في سبيل الله .

نضَّر الله وجه القارىء العالم الغازي عقية بن عامرٍ الجهنيِّ، وجزاه عن الإسلام و المسلمين خير الجزاء(*)

_____________________________________

(*) للاستزادة من أخبار عقبة بن عامر الجهني انظر .

1 - الاستيعاب : 106/3 .

2 - أسد الغابة : 417/3 .

3 - الإصابة : 482/2 .

4 - سير أعلام النبلاء : 334/2 .

5 - جمهرة الانساب : 416 .

6 - المعارف : 121 .

7 - قلائد الجمان : 41 .

8 - النجوم الزاهرة : 19/1،21 ، 62، 81 وغيرها .

9 - طبقات علماء أفريقية و تونس 70/58 .

10 - فتوح مصر و أخبارها : 287 .

11 - تهذيب التهذيب : 242/7 .

12 - تذكرة الحفاظ : 42/1 .

عقبة بن عامر الجهني

_________________________________________________________

 

(1) مشارف يثرب : الأماكن المطّلة على يثرب .

(2) مهلِّلين : قائلين : لا إله إلا الله .

(3) يتهادى : يمشي بتؤدة .

(4) السَّغب : الجوع .

(5) حطام الدنيا : مالها الفاني .

(6) تناهى إليَّ : بلغني .

(7) لا ألوي على شيء : لا أقف عند شيء ولا أنتظر .

(8) شديد الإشفاق : شديد الخوف و المحاذرة .

(9) يغدو : يذهب في الغداة، و الغداة الصباح .

(10) باب توما أحد أبواب دمشق القديمة .

(11) مستكنة : محتجبة مختبئة .

(12) أردفه : أركبه خلفه .

(13) غاب المدينة : أجماتها ذوات الأشجار الكثيفة الملتفّة .

(14) همه : اهتمامه و عنايته .

(15) الثرّة : الغزيرة .

(16) فرضياً : عالماً بالفرائض و المقصود بها هنا علم المواريث و التركات .

(17) سجا الليل : هدأ و سكن .

(18) العباء : كساء مفتوح من الأمام .

(19) المقطم : جبل مطل على القاهرة من جهة الجنوب قليل الارتفاع .

 

مقالات ذات صلة :