• 8 شباط 2018
  • 2,461

سلسلة من نحب - الله تعالى - (37) الأوّل والآخر، والظّاهر والباطن :

وقد وردت هذه الأسماء الأربعة مجتمعة في موضع واحد من القرآن الكريم، قال الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، وخير ما تفسّر به هذه الأسماء الحسنى ويبيّن به معناها ما ورد في السنّة النبويّة في مناجاة النبي ﷺ لربه بهذه الأسماء مناجاةً تتضمن بيان معاني هذه الأسماء وتوضيح مدلولاتها.

روى مسلم في "صحيحه"(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: "اللهمَّ ربَّ السّموات وربَّ الأرض وربَّ العَرْش العَظيم، ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، فالِقَ الحبِّ والنَّوى، ومُنْزِلَ التّوراة والإنجيل والفرقان، أعوذُ بكَ من شَرِّ كلِّ شيء أنت آخذٌ بناصيته، اللهمّ أنت الأوّل فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظّاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عنَّا الدَّيْن وأَغْننا من الفقر".

فبيَّن عليه الصّلاة والسّلام في هذا الدّعاء الجامع معنى كل اسم ونفى ما يناقضه، وهذا أعلى درجات البيان، ومدار هذه الأسماء الأربعة على بيان إحاطة الربّ تبارك وتعالى بخلقه، وهي إحاطتان: زمانية ومكانية .

فإحاطةُ أوليته وآخريته بالقَبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأوليةُ الله عز وجل سابقة على أولية كل شيء، وآخريته سبحانه بقاؤه بعد كل شيء، فأحاطت أوليتُه وآخريته بالأوائل والأواخر، فما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده، فهو جل وعلا الأول فليس شيء قبله، والآخر فليس شيء بعده، وهذه إحاطة زمانية.

وأما الإحاطة المكانية فقد أحاطت ظاهريته وباطنيَّته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، كما قال عليه الصلاة والسلام: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء"، فعلا على كل شيء بظهوره، فهو العلي الأعلى الذي ليس شيء فوقه، استوى على عرشه المجيد، والعرش سقف المخلوقات وأعلاها، والله فوق العرش، فظاهريته سبحانه هي فوقيته وعلوه على كل شيء، ودنا من كل شيء ببطونه، فبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، فهو يدلّ على كمال اطلاعه على السرائر والخفايا، ودقائق الأشياء وخبايا الأمور، كما يدل على كمال قربه ودنوه، فمع علوه على عرشه فهو قريب من خلقه محيط بهم، فلا تواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضاً، ولا يحجب عنه ظاهرٌ باطناً، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية.

وإذا عرف المسلم هذه الأسماء العظيمة، وعرف ما تدل عليه من الكمال والعظمة والإحاطة وجب عليه أن يعامل كل اسم بما يقتضيه من ذل وعبودية.

- فمعرفة أولية الله لكل شيء وسبقِه بالفضل والإحسان الأسبابَ كلَّها تقتضي إفراده وحده بالذل والالتجاء، وعدم الالتفات إلى غيره أو التوكل على سواه، وتقتضي التجرد من التعلق بالأسباب والالتفات إليها إلى التعلق بمن منه الإمداد ومنه الإعداد، وفضله سابق على الوسائل والأسباب.

- ومعرفة آخريَّة الله تقتضي أن يُجعل وحده غاية العبد التي لا غاية له غيره، ولا مطلوب له وراءه، إليه وحده المنتهى، وليس وراءه مرمى ولا بعده مقصد، وتقتضي عدم الركون إلى الأسباب؛ فإنها تنعدم لا محالة وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها، فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضي، والتعلق بالآخر سبحانه تعلق بالحي الذي لا يموت، وبالباقي الذي لا يزول.

- ومعرفة ظاهريته وأنه فوق عباده يدبر أمورهم، وتصعد إليه أعمالهم؛ تقتضي حسن توجه القلب إليه، وتمام الذل بين يديه والخضوع لجنابه وعظمته والضراعة إليه وحده دون سواه {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج: 62]، وأمَّا من لا يؤمن بظاهريَّة الله وعلوّه فإنه ضائع مشتَّت القلب، ليس لقلبه قبلة يتوجه نحوها، ولا معبود يتوجّه إليه قصده.

- ومعرفة باطنيّته سبحانه وشهود إحاطته بالعوالم وقربه من العبيد وعلمه بالبواطن والسرائر والخفيات تقتضي تزكية النفس وإصلاح السريرة وتطهير الباطن وتنقية القلب وعمارته بالإيمان والتقى.

ففي هذه الأسماء الأربعة جماع المعرفة بالله وجماع العبودية له ، كما أن فيها قمعا للوساوس المهلكة، والشكوك المردية التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان بُغية إهلاكه وصرفه عن الإيمان.

روى أبو داود في "سننه"(2) بإسناد جيِّد عن أبي زُميل سماك بن الوليد قال: سألت ابن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله ما أتكلم به، قال: فقال لي: أشيء من الشك؟ قال: وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحدٌ، قال: حتى أنزل الله عز وجل: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} [يونس: 94]، قال: فقال لي: فإذا وجدت في نفسك شيئا فقل: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3].

فأرشد رضي الله عنه إلى هذا الذِّكر الحكيم لطرد الوساوس وقطع الشّكوك.

****

(1) (رقم: 2713).

(2) (رقم: 5110).

مقالات ذات صلة :