• 14 شباط 2018
  • 2,441

سلسلة من نحب - الله تعالى - (38) الشّكور، الشّاكر :

وقد ورد اسم "الشّكور" في أربعة مواضع من القرآن:

قال الله تعالى: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 30]، وقال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 34]، وقال تعالى: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} [الشورى: 23]، وقال تعالى: {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} [التغابن: 17].

وورد "الشّاكر" في موضعين:

قال تعالى: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158]، وقال تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147].

وجميع هذه المواضع الستّة التي ورد فيها هذان الاسمان مواضع امتنان من الله عزَّ وجلَّ بإثابة المطيعين، وتوفية الأجور، والزيادة من الفضل، والمضاعفة للثواب، وهذا مما يبين لنا معنى هذين الاسمين، وأن الشكور الشاكر: هو الذي لا يضيع عنده عمل عامل، بل يضاعف الأجر بلا حسبان، الذي يقبل اليسير من العمل، ويثيب عليه الثواب الكثير والعطاء الجزيل، والنوال الواسع، الذي يضاعف للمخلصين أعمالهم بغير حساب، ويشكر الشاكرين، ويذكر الذاكرين، ومن تقرّب إليه شبرا تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرَّب إليه ذراعاً تقرَّب إليه باعاً، ومن جاءه بالحسنة زاد له فيها حُسنا، وآتاه من لدنه أجراً عظيما.

قال ابن القيِّم رحمه الله في بسط القول في معنى هذا الاسم وذكر معانيه العظيمة ودلائله الجليلة: "وأما شكر الرب تعالى فله شأن آخر، فهو أولى بصفة الشكر من كلّ شكور، بل هو الشكور على الحقيقة، فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، ويشكر عبده بقوله بأن يثني عليه بين ملائكته وفي ملئه الأعلى، ويلقي له الشكر بين عباده، ويشكر بفعله، فإذا ترك له شيئا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئاً ردَّه عليه أضعافاً مضاعفة، وهو الذي وفَّقه للترك والبذل، وشكره على هذا وذاك، ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته أعاضهم عنها أن ملكهم الدنيا وفتحها عليهم، ولما احتمل يوسف الصديق عليه السلام ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، ولما بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزقتها أعداؤه شكر لهم ذلك بأن أعاضهم منها طيرا خضرا أقر أرواحهم فيها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها إلى يوم البعث، فيردها عليهم أكمل ما تكون وأجمله وأبهاه، ولما بذل رسلُهُ أعراضهم فيه لأعدائهم فنالوا منهم وسبُّوهم أعاضهم من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته، وجعل لهم أطيب الثناء في سمواته وبين خلقه، فأخلصهم بخالصة ذكرى الدّار.

ومن شُكره سبحانه: أنه يجازي عدوَّه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا، ويخفف عنه يوم القيامة فلا يضيع عليه ما يعمله من الإحسان، وهو من أبغض خلقه إليه.

ومن شُكره: أنه غفر للمرأة البغي بسقيها كلبا قد جهده العطش حتى أكل الثرى، وغفر لآخر بتنحيته غصن شوك عن طريق المسلمين.

فهو سبحانه يَشكر العبد على إحسانه لنفسه، والمخلوق إنما [يشكر] من أحسن إليه، وأبلغ من ذلك أنه سبحانه هو الذي أعطى العبد ما يحسن به إلى نفسه، وشكره على قليله بالأضعاف المضاعفة التي لا نسبة لإحسان العبد إليها، فهو المحسن بإعطاء الإحسان وإعطاء الشكر، فمن أحق باسم "الشّكور" منه سبحانه؟!.

وتأمَّل قوله سبحانه: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147]؛ كيف تجد في ضمن هذا الخطاب أن شكره تعالى يأبى تعذيب عباده بغير جرم، كما يأبى إضاعة سعيهم باطلاً، فالشكور لا يضيع أجر محسن، ولا يعذب غير مسيء.

ومن شكره سبحانه: أنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير ولا يضيع عليه هذا القدر.

ومن شكره سبحانه: أن العبد من عباده يقوم له مقاما يرضيه بين الناس فيشكره له، وينوه بذكره، ويخبر به ملائكته وعباده المؤمنين كما شكر لمؤمن آل فرعون ذلك المقام، وأثنى به عليه، ونوه بذكره بين عباده، وكذلك شكره لصاحب يس مقامه ودعوته إليه، فلا يهلك عليه بين شكره ومغفرته إلا هالك، فإنه سبحانه غفور شكور، يغفر الكثير من الزلل، ويشكر القليل من العمل.

ولما كان سبحانه هو الشّكور على الحقيقة كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر، كما أن أبغض خلقه إليه من عطّلها واتصف بضدها، وهذا شأن أسمائه الحسنى، أحب خلقه إليه من اتّصف بموجبها، وأبغضهم إليه من اتّصف بأضدادها، ولهذا يبغض الكفور والظالم والجاهل والقاسي القلب والبخيل والجبان والمهين واللئيم، وهو سبحانه جميل يحب الجمال، عليم يحب العلماء، رحيم يحب الراحمين، محسن يحب المحسنين، شكور يحب الشاكرين، صبور يحب الصابرين، جواد يحب أهل الجود، ستار يحب أهل الستر، قادر يلوم على العجز، والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، عفو يحب العفو، وتر يحب الوتر، وكل ما يحبه فهو من آثار أسمائه وصفاته وموجبها، وكل ما يبغضه فهو مما يضادها وينافيها" اهـ(1).

وفي الآيات المتقدّمة جمع بين الغفور والشّكور، فهو سبحانه غفور للذنوب كلِّها مهما عظمت فلا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفرَه، الشكور لكلِّ عمل وإن قلَّ ولو كان مثقال ذرة، ولهذا لا يجوز للمسلم أن يقنط من غفران الله للذنوب مهما عظمت، كما لا يجوز له أن يحقر من أعمال البر شيئا مهما قلَّت؛ فإن الرّب سبحانه غفور شكور.

وإنا لنسأله سبحانه متوسِّلين إليه بهذين الاسمين العظيمين أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وأن يتقبل منا صالح أعمالنا، إنه غفور شكور.

 

(1) "عدة الصابرين" (ص/ 335-337) باختصار.

مقالات ذات صلة :