• 18 شباط 2018
  • 2,165

سلسلة من نحب - الله تعالى - (40) الصَّمَد :

وقد ورد هذا الاسم في سورة الإخلاص: {قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّـهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص]، وهي السورة التي أخبر النبي ﷺ أنها تعدل ثلث القرآن، ففي "صحيح البخاري"(1) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ لأصحابه: "أيعجِز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟! فشق ذلك عليهم وقالوا: أيُّنا يُطيق ذلك يا رسول الله؟! فقال: الله الواحد الصَّمد ثلث القرآن".

و"الصَّمد" معناه: السّيد العظيم الذي قد كمل في علمه وحكمته وحلمه وقدرته وعزته وعظمته وجميع صفاته ، فهو واسع الصفات عظيمُها، الذي صمدت إليه جميع المخلوقات، وقصدته كل الكائنات بأسرها في جميع شؤونها، فليس لها ربٌّ سواه، ولا مقصود غيره تقصده وتلجأ إليه في إصلاح أمورها الدينية، وفي إصلاح أمورها الدنيوية، تقصده عند النوائب والمزعجات، وتضرَع إليه إذا أصابتها الشّدائد والكُربات، وتستغيث به إذا مسّتها المصاعب والمشقّات، لأنها تعلم أن عنده حاجاتها، ولديه تفريج كرباتها، لكمال علمه، وسعة رحمته ورأفته وحنانه، وعظيم قدرته وعزته وسلطانه.

روى ابن جرير الطبري في "تفسيره"(2) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "الصَّمَد: السيِّد الذي قد كمُل في سُؤْدده، والشّريف الذي قد كَمُل في شَرفِه، والعظيم الذي قد كمُل في عظمته، والحليم الذي قد كمُل في حلمه، والغني الذي قد كمُل في غناه، والجبار الذي قد كمُل في جبروته، والعالم الذي قد كمُل في علمه، والحكيم الذي قد كمُل في حكمته، وهو الذي قد كمُل في أنواع الشّرف والسّؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له".

وهو يفيد أن هذا الاسم العظيم من جملة أسماء الله الحسنى الدالة على عدة صفات لا على معنى مفرد، ففيه الدلالة على كثرة صفات الله وعظمتها وكمالها.

وأبي الشيخ في "العظمة"، والبيهقي في "الأسماء والصفات".

قال ابن القيم رحمه الله: "الصَّمد: السيد الذي قد كمل في سؤدده، ولهذا كانت العرب تسمي أشرافها بهذا الاسم، لكثرة الصفات المحمودة في المسمى به، قال شاعرهم

أَلَا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرَيْ بَني أَسَدْ                         بِعَمْرو بن مَسْعُودٍ وبالسَّيِّد الصَّمَدْ

فإن الصّمد من تصمد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة، وذلك لكثرة خصال الخير فيه، وكثر الأوصاف الحميدة له، ولهذا قال جمهور السّلف، منهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: الصمد: الذي قد كمل سؤدده، فهو العالم الذي كمل علمه، القادر الذي كملت قدرته، الحكيم الذي كمل حكمه، الرحيم الذي كملت رحمته، الجواد الذي كمل جوده"(1).

وبيَّن رحمه الله أنَّ اشتقاقه يدل على هذا؛ فإنه من الجمع والقصد، فهو الذي اجتمع القصد نحوه، واجتمعت فيه صفات السؤدد، وهذا أصله في اللغة، والعرب تسمي أشرافها بالصمد لاجتماع قصد القاصدين إليه واجتماع السيادة فيه(2).

ولأجل هذا تنوَّعت عبارات السلف في تفسير هذا الاسم، فمنهم من قال: الصمد: هو الذي ليس بأجوف ولا يأكل ولا يشرب، ومنهم من قال: هو الذي يصمد الخلائق إليه في حوائجهم ومسائلهم، ومنهم من قال: هو الذي لا يخرج منه شيء، أي: لا يخرج منه عين من الأعيان فلا يلد، ومنهم من قال: هو السيد الذي انتهى سؤدده، ومنهم من قال: هو الذي لا أحد فوقه.

وقد أورد جميع هذه الأقوال ابن جرير الطبري في "تفسيره"(3)، وذكر من قال بها من أئمّة السّلف رحمهم الله، وأوردها كذلك الحافظ ابن كثير في "تفسيره"(4) وغيرهما من المفسرين، وكل ذلك حق؛ لأن هذا الاسم دال على جملة أوصاف عديدة لا على معنى مفرد، كما سبق بيان ذلك.

ولهذا نقل الحافظ ابن كثير، عن أبي القاسم الطبراني في كتاب "السنَّة" له بعد إيراده كثيراً من هذه الأقوال في تفسير الصّمد أنه قال: "وكلّ هذه صحيحة، وهي من صفات ربِّنا عزَّ وجلَّ، وهو الذي يُصمَد إليه في الحوائج، وهو الذي انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه"(5).

وقال البغويّ رحمه الله: "والأولى أن يحمل لفظ الصمد على كل ما قيل فيه؛ لأنه محتمل له، فعلى هذا يقتضي أن لا يكون في الوجود صمد سوى الله تعالى، العظيم القادر على كل شيء، وأنه اسم خاص بالله تعالى انفرد به، له الأسماء الحسنى والصفات العليا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]"(6).

وقال الشّيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "من المعروف في كلام العرب إطلاق الصمد على السيِّد العظيم، وعلى الشيء المصمت الذي لا جوف له...، فالله تعالى هو السيد الذي وحده الملجأ عند الشدائد والحاجات، وهو الذي تنزَّه وتقدس عن صفات المخلوقين كأكل الطعام ونحوه سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيرا"(7).

وإذا علم العبد اتصاف ربه بهذا الكمال والجلال، وأنه سبحانه لا شيء فوقه، ولا شيء يعجزه، وأنه سبحانه مَفْزَعُ الخلائق ومَلْجَؤُها، فلا ملجأ ولا منجا منه إلَّا إليه، وإليه وحده المفرّ، وهو وحده الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها ومسائلها ورغباتها؛ وجب عليه أن لا يلجأ إلَّا إليه، ولا يطلب حاجته إلَّا منه، ولا يصرف عبادته إلَّا له، ولا تكون استعانته إلَّا به، ولا يكون توكله إلا عليه {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62].

****

 

(1) (رقم: 4727).

(2) (24/736- ط. التركي). وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (15/780) له ولابن المنذر، وابن أبي حاتم،

(3) (24/ 731-737).                               (4) (8/548).                                        (5) نفسه.

(6) "معالم التنزيل" (7/321).

(7) "أضواء البيان" (2/187).

مقالات ذات صلة :