• 21 شباط 2018
  • 2,054

سلسلة من نحب - الله تعالى - (41) السَّميع :

وهو اسم تكرَّر وروده في القرآن فيما يقرب من خمسين موضعاً، منها قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1]، وقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وقوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} [البقرة: 127].

و"السّميع": هو الذي يسمع جميع الأصوات على اختلاف اللغات وتفنن الحاجات، قد استوى في سمعه سرّ القول وجهره {سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد: 10]، وسع سمعه الأصوات كلها، فلا تختلف عليه الأصوات ولا تشتبه، ولا يشغله منها سمع عن سمع، ولا يغلطه تنوع المسائل، ولا يبرمه كثرة السائلين.

روى الإمام أحمد وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات؛ لقد جاءت المجادِلة إلى النبيّ ﷺ تكلّمه، وأنا في ناحية من البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}"(1)، وفي رواية قالت: "تبارك الذي وسع سمعُه كلَّ شيء"(2).

بل لو قام الجنّ والإنس كلّهم من أوّلهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها في صعيد واحد، وسألوا الله جميعا في لحظة واحدة، وكلٌّ عرض حاجته، وكلٌّ تحدَّث بلهجته ولغته لسمعهم أجمعين دون أن يختلط عليه صوت بصوت أو لغة بلغة أو حاجة بحاجة، ومن الدلائل على هذا قوله سبحانه في الحديث القدسي:

"يا عبادي لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم قاموا في صعيدٍ واحد فسألوني، وأعطيتُ كلَّ واحد مسألتَه ما نَقص ذلك من مُلكي شيئاً إلَّا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر"(3).

وفي "الصّحيحين"(4) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "كنّا مع النّبيّ ﷺ في سفر، فكنا إذا علونا كبَّرنا، فقال: اِرْبَعُوا على أنفسكم، فإنّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، ولكن تدعون سميعاً بصيراً قريباً".

وقوله: "ارْبَعُوا على أنفسكم" أي: ارفقوا بأنفسكم فلا تكلفوها برفع أصواتكم، فإنه لا حاجة إلى ذلك، فإنّ مَنْ تُكبِّرونه سميع بصيرٌ يسمع الأصوات الخفية كما يسمع الجهرية.

وقد أنكر الله سبحانه ظنّ من ظن من المشركين أنّ الله لا يسمع السِّر والنّجوى، قال الله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80]، وفي "الصّحيحين"(5) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي، كثيرة شحم بطونهم، قليلة فقه قلوبهم، فقال أحدُهم: أترون أنَّ الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [فصلت: 22]".

وفي هذا السِّياق المبارك دلالة على أن فساد الاعتقاد فيما يتعلق بصفات الرب وأسمائه يترتب عليه فساد الأعمال وانحلال الدين والوقوع في الهلاك والردى والخسران، ولذا قال سبحانه: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 23 ) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ} [فصلت: 23-24].

ثم إن السَّمع المضاف إلى الله عز وجل ينقسم إلى قسمين:

الأول: سمع يتعلَّق بالمسموعات، فيكون معناه إدراك الصوت.

والثاني: سمع بمعنى الاستجابة، أي: أنه سبحانه يجيب من دعاه، ومنه قوله: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: 39]، وقول المصلي: "سمع الله لمن حمده"، أي: أجاب، وليس المراد سمعه مجرد سماع فقط.

والسّمع الذي بمعنى إدراك الصوت ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: ما يقصد به التهديد، كقوله تعالى: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم} [الزخرف: 80]، وقوله: {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181].

الثاني: ما يقصد به التأييد، كقوله تعالى لموسى وهارون: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} [طه: 46]، أراد سبحانه أن يؤيد موسى وهارون بذكر كونه معهما يسمع ويرى.

الثالث: ما يقصد به بيان الإحاطة، كقوله: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1].

وقد أبطل الله في القرآن شرك المشركين بتوجههم إلى أصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تغني شيئا، وبيَّن سبحانه أن المستحق للعبادة هو الله السميع البصير الذي له كمال السمع وكمال البصر، وقد ورد هذا المعنى في مواضع من القرآن الكريم، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غافر: 20]، وقال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} [مريم: 41-42]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذينَ تَدعونَ مِن دونِ اللَّـهِ عِبادٌ أَمثالُكُم فَادعوهُم فَليَستَجيبوا لَكُم إِن كُنتُم صادِقينَ ﴿١٩٤﴾ أَلَهُم أَرجُلٌ يَمشونَ بِها أَم لَهُم أَيدٍ يَبطِشونَ بِها أَم لَهُم أَعيُنٌ يُبصِرونَ بِها أَم لَهُم آذانٌ يَسمَعونَ بِها قُلِ ادعوا شُرَكاءَكُم ثُمَّ كيدونِ فَلا تُنظِرونِ} [الأعراف: 194-195].

وإيمان العبد بأن ربه سميع يورثه حفظاً للسانه وصيانة لكلامه ومواظبة على ذكر ربه وشكره، والإكثار من مناجاته وسؤاله، ويتوسل إليه بهذا الاسم العظيم أن يحقق رجاءه ويعطيه سؤله، وقد كثر في القرآن توسل الأنبياء إلى الله في دعائهم بهذا الاسم، ومن ذلك قول إبراهيم عليه السلام: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيع الدُّعَاء}، وقوله هو وإسماعيل عليهما السلام: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127]، وفي دعاء زكريا أن يرزقه الذرية الصالحة قال: {إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء} [آل عمران: 38]، وفي دعاء امرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها محرّراً قالت: {فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [آل عمران: 35].

فأجابهم سبحانه أجمعين، وقد قال تعالى في سياق ذكر دعاء نبيّه يوسف عليه السلام أن يصرف عنه كيد النِّسوة: {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [يوسف: 34]، وأمر سبحانه بالاستعاذة به من نزغ الشيطن مذكرا عباده بأنه جل وعلا سميع عليم فقال تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 36].

****

(1) رواه الإمام أحمد (6/ 168)، والنسائي (رقم: 3460)، وابن ماجه (رقم: 188 ، 2063) بإسناد صحيح.

(2) كما في الرّواية الثانية لابن ماجه.

(3) طرف من حديث رواه مسلم (رقم: 2577) عن أبي ذر رضي الله عنه.

(4) "صحيح البخاريّ" (رقم: 6384)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2704).

(5) "صحيح البخاري" (رقم: 4817)، و"صحيح مسلم" (رقم: 2775).

مقالات ذات صلة :