• 12 نيسان 2018
  • 1,787

عاقبة هجر القرآن (1) :

{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} سورة الفرقان الآية (30) .

واختلف أهل التأويل في معنى اتخاذهم القرآن مهجوراً ومن خلاصة هذه الأقوال  يتضح أن هجر القرآن يقع على المعاني الآتية:

1 - القول السيئ في القرآن، والزعم الباطل بأنه سحر أو شعر أو أساطير الأولين (1)

2 - الإعراض والبعد عن القرآن، وعدم سماعه، ورفع أصواتهم بالهذيان إذا قرئ لئلا يسمع. (2)

3 - الترك كلياً: أي تركهم للإيمان به، وتركهم للعمل به، وكذلك عدم الالتفات إليه. (3)

عاقبة هجر القرآن :

تعال معنا - أخي الحبيب - لنتعرف على عاقبة من هجر القرآن، وأعرض عنه في الدنيا والآخرة:

1 - إن صاحب الهجر والإعراض من أعظم الناس ظلماً .

2 - يجعل الله على قلبه الأكنة - أغطية وغشاوة - حتى لا تفقه الحق ، وعلى الآذان الوقر - الصمم المعنوي عن الرشاد -.

3 - صاحب الهجر من الضالين، وأخبر الله عن عدم اهتدائه أبداً إلى الحق.

الدليل على هؤلاء قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا}  سورة الكهف الآية (57)

4 - انتقام الله من المعرضين عن القرآن، ووصفهم بالإجرام.

قال تعالى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}  سورة السجدة الآية (22)

5 - كون المعرض كالحمار

قال تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ}  سورة المدثر (49 - 51)

6 - ينذر الله من هجر القرآن ويتوعده بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود.

قال تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}  سورة فصلت الآية (13)

7 - المعيشة الضنك في الدنيا.

قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}  سورة طه الآية (124). إن مَنْ هجر القرآن يعيش معيشة ضنكاً، وهذه الكلمة صعبة في النطق كأنها تشير إلى صعوبة تلك الحياة.

قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - في بيان حال من هجر القرآن: في الدنيا فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبه يتردد فهذا من ضنك المعيشة .. وجاء أيضاً في تفسير الضنك بأنه الكسب الحرام، والعمل السيئ، والرزق الخبيث، وأنه عذاب القبر وضمته . (4)

قال الإمام الشنقيطي - رحمه الله -: (وهذه الأقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضاً، والأولى شمول الآية لجميع الأقوال المذكورة). (5)

8 - يحشر يوم القيامة أعمى.

قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}  سورة طه (124 - 126) .

سبحان الله! يحشر من أعرض عن القرآن يوم القيامة أعمى، بعد أن كان بصيراً في الدنيا، لكنه ما نظر بعينه إلى القرآن فتلاه، وعمل بمقتضاه، لكنه أعرض عنه، وهجره، وتناساه؛ فصار كالأعمى الذي حرم نعمة البصر؛ لأن الجزاء من جنس العمل .

9 - يسلكه الله عذاباً صعداً.

قال تعالى: {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا}  سورة الجن الآية (17) .

قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - : أي عذاباً مشقاً، شديداً، موجعاً، مؤلماً. قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وابن زيد: {عَذَابًا صَعَدًا} أي مشقة لا راحة معها، وعن ابن عباس: جبل في جهنم، وعن سعيد بن جبير: بئر فيها (6).

لا إله إلا الله! مَنْ منا يقوى على هذا العذاب؟ فهل من توبة إلى الله؟.

10 - يقيض الله له قريناً من الشيطان.

قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} (36) سورة الزخرف

يقول تعالى: {وَمَن يَعْشُ} أي: يتعامى، ويتغافل، ويعرض {عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ} والعشا في العين: ضعف بصرها، والمراد هنا: عشا البصيرة {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}

قال تعالى: {وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا}  سورة النساء الآية (38) . أي هذا الذي تغافل عن الهدى نقيض له من الشياطين من يضله ويهديه إلى صراط الجحيم ،

11 - الحسرة والندامة يوم القيامة.

قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا}  سورة الفرقان (27 - 29) .

12 - وقوعه تحت شكوى النبي - صلى الله عليه وسلم -.

قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}  سورة الفرقان الآية (30)

13 - حرمان شفاعة القرآن يوم القيامة .

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه» (7).

وقال أيضاً: «القرآن حجة لك أو عليك» (8).

بالله عليك كيف يشفع القرآن في رجل هجره، وأعرض عنه، وأقبل على غيره من كلام البشر يقرأه، أو يسمعه؟ فإن المحروم حقيقةً من حرم شفاعة القرآن يوم القيامة.

14 - يختم لمن هجر القرآن بسوء الخاتمة.

إنَّ نصيب الإنسان من الدنيا عمره، فإن أحسن الاستفادة منه فيما ينفعه في دار القرار فقد ربحت تجارته، وإن استغله في المعاصي والسيئات حتى لقي الله على تلك الخاتمة السيئة فهو من الخاسرين، والعاقل من حاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله، وخاف من ذنوبه قبل أن تكون سبباً في هلاكه.

والإنسان يعيش على ما نشأ عليه، ويموت على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه ، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من وفقه الله إلى عمل صالح ثم يقبضه عليه، والشقي من حرم ذلك، ومنهم من هجر القرآن .

 

وبعد هل تريد - أخي الحبيب - أن تكون مع هؤلاء؟ ‍ وتكون منهم في يوم من الأيام؟ ‍‍‍ تتصف بأوصاف من هجر القرآن؟ ‍ وتحشر معهم يوم القيامة؟

هل تريد أن تكون في الدنيا : ظالماً، ضالاً، مجرماً، كالحمار، قريناً للشيطان، تعيش معيشة ضنكاً، ثم الخاتمة السيئة؟ نعوذ بالله من الخذلان.

أم تريد أن تكون في الآخرة : ممن يعذب في القبر، ويحشر أعمى يوم القيامة، ويكون من أهل الحسرة والندامة والحزن والأسف، وممن يدعو النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، ويشكو منه، أو ممن يحرم من شفاعة القرآن، ثم العذاب الصعد الصعب الشاق في جبل في جهنم أو في بئر منها. نسأل الله السلامة والعافية.

هل من توبة؟ ‍ يغفر الله بها الذنوب، ويستر بها العيوب، ويصلح بها فساد القلوب ، ويبدل بها السيئات حسنات .

قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}  سورة الزمر الآية (53)

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنك أنت الكريم .

*************************

(1) قول مجاهد والنخغي وغيرهما .

(2) قول ابن زيد، وابن جرير .

(3) قول ابن عباس، ومقاتل .

(4) تفسير ابن كثير (3/ 173) بتصرف .

(5) أضواء البيان للشنقيطي (4/ 595 - 596) .

(6) تفسير ابن كثير (3/ 174) .

(7) رواه مسلم عن أبي أمامة - رضي الله عنه -.

(8) رواه مسلم والترمذي وابن ماجة والنسائي عن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه -. انظر صحيح الترغيب رقم (184).